
التضخم: كيف يشعر به المواطن قبل أن تكتبه الأرقام
09-12-2025 07:23 PM
تعديل حجم الخط:
بقلم: د. مثقال القرالة، قبل أن تظهر الأرقام على الورق كفروقات جليدية، وقبل أن تُسجل حياة الناس كأرقام في جداول الإحصاءات الرسمية، يكون التضخم قد تسلل إلى البيوت الأردنية دون استئذان، ودخل المطابخ قبل أن يُسجل في بيانات وزارة المالية، وتربع على موائد العائلات قبل أن يتم الإعلان عنه في مؤشرات الأسعار، إن التضخم، في واقعه، ليس مجرد حدث اقتصادي ينطلق من شاشة الحاسوب، بل هو زلزال صامت يبدأ من السوق، يهز جيوب الناس قبل أن يهز وعي الاقتصاديين، ويعيد تشكيل الحياة اليومية ببطء بلا رحمة، إنه كالنار تحت الرماد؛ لا يظهر في البداية، لكنك تستشعر رائحته في أكياس الخبز التي صارت أخف وزناً، وفي لتر الزيت الذي تقلص حجمه دون أن يتناقص ثمنه، وفي الفاتورة التي تزداد أرقامها بينما تتقلص قدرتك على الدفع، إنه زحف بطيء، لكنه حتمي، يشبه البحر الذي يتقدم نحو الشاطئ بلا أمواج صاخبة، حتى تدرك فجأة أن المياه وصلت إلى عتبة بيتك،.
تحولات اقتصادية
المواطن الأردني لا يحتاج إلى خبر جديد ليكتشف أن التضخم قد ارتفع؛ فهو يقرأ ذلك في نظرات الباعة، وفي صمت المشتري أمام رفوف السوبرماركت، وفي ابتسامة شاحبة تتبعها جملة مألوفة: “الأسعار ارتفعت شوي”، يعرفه حين تقل كمية الخضار التي يحملها من السوق، وحين يضطر لحذف صنف من قائمة المشتريات، وحين يجد نفسه يعيد ترتيب أولويات الإنفاق وكأنه خبير موازنات في أزمة وطنية، وليس ربّ أسرة عادية، في هذه اللحظة، تتحول المصطلحات الاقتصادية الكبرى مثل “القوة الشرائية” و”مؤشر الأسعار” و”التضخم السنوي” من مفاهيم أكاديمية إلى جراح مفتوحة في ميزانية الأسرة، لم يعد التضخم مجرد نسبة مئوية يعلنها البنك المركزي أو دائرة الإحصاءات، بل أصبح خصماً شرساً يقتطع من مستوى المعيشة، ويقلل أحلام الادخار، ويجعل المستقبل يبدو أثقل من الحاضر،.
فجوة بين الأرقام والواقع
لكن المعضلة تكمن في أن الأرقام الرسمية كثيراً ما تُخفي حرارة المشهد الحقيقي، فـ”سلة السلع” التي تعتمد عليها الإحصائيات قد لا تعكس السلة الحقيقية التي يملؤها المواطن كل أسبوع، الأرقام تتعامل مع المتوسطات، في حين يتعامل المواطن مع الحقيقة الكاملة؛ مع الارتفاع الفعلي في السوق، ومع تسارع الأسعار الذي يسبق أي إعلان رسمي، وهنا تظهر الفجوة بين الاقتصاد كعلم، والاقتصاد كمعيشة، فالتضخم ليس مجرد ظاهرة مالية، بل قضية تمس الأمن الاجتماعي والسياسي، إنه امتحان لقدرة الدولة على حماية مواطنيها من الانزلاق نحو اليأس الاقتصادي، وعلى ابتكار سياسات تحافظ على قيمة الدينار في أيدي الناس، لا في تقارير البنوك فقط، وإذا بقيت المواجهة محصورة في المؤتمرات الصحفية، فإن الفجوة بين الشارع والحكومة ستتسع، والثقة ستتآكل كما تتآكل القوة الشرائية،.
معركة ضد التضخم
إن المعركة ضد التضخم في الأردن ليست معركة أرقام، بل معركة حياة، هي معركة كرامة المواطن أمام سلعة تزداد غلاءً، وأمام خدمة ترتفع تكلفتها، وأمام حلم يتضاءل أفقه، ومن يظن أن الأمر يمكن احتواؤه بجدول أو بيان، يغفل أن التضخم إذا تُرك دون رد فعل حقيقي، فإنه يتحول من مشكلة اقتصادية إلى أزمة مجتمعية، ومن أزمة مجتمعية إلى تهديد لاستقرار كل منظومة العمل والإنتاج، الحل يبدأ من الشارع، لا من قاعات الاجتماعات المغلقة، يبدأ من سياسات جريئة تكبح جماح الأسعار، وتدعم الفئات الأضعف، وتربط الأجر بواقع السوق لا بخيالات الميزانية، يبدأ من قرار يعلن أن الأرقام ليست هدفاً بحد ذاتها، بل وسيلة لحماية الإنسان الذي يصنع الاقتصاد، ويُبقي عجلة الوطن تدور رغم الضغوط،.
إذا التقت الإرادة السياسية بوعي اقتصادي حقيقي، يمكن عندها فقط أن تتحول لغة التضخم من جرس إنذار، إلى شهادة على قدرة الأردن على الصمود في وجه أعتى العواصف المالية، وتحويل الأزمات إلى فرص، والخوف إلى ثقة، والتراجع إلى نهضة،.
