الجامعة العربية تحذر من سباق تسلح تكنولوجي جامح يهدد الاستقرار العالمي

الجامعة العربية تحذر من سباق تسلح تكنولوجي جامح يهدد الاستقرار العالمي

أكدت الأمانة العامة لجامعة الدول العربية أن التطور المتسارع للتكنولوجيات الحديثة في المنظومات العسكرية قد أحدث تحولات جوهرية في مفاهيم الأمن القومي وطبيعة العمليات القتالية، مشددة على الضرورة القصوى للعمل الدولي والعربي المشترك لضمان الاستخدام المسؤول لهذه التقنيات، والحيلولة دون انزلاق العالم نحو سباق تسلح تكنولوجي غير منضبط.

جاء هذا التأكيد في كلمة الوزير مفوض فادي أشعيا، مدير إدارة الحد من التسلح ونزع السلاح بجامعة الدول العربية، خلال الجلسة الافتتاحية للمؤتمر الإقليمي الثاني حول “التكنولوجيات الحديثة والقانون الدولي الإنساني: الأسلحة ذاتية التشغيل والذكاء الاصطناعي في المجال العسكري”، الذي تنظمه جامعة الدول العربية بالتعاون مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر، وشهد حضورًا عربيًا ودوليًا رفيع المستوى.

وأوضح أشعيا أن انعقاد هذا المؤتمر يعكس انطلاقة مهمة لمسار يقوم على التكامل المؤسسي الفعال بين المنظمات الإقليمية والدولية، وينسجم تمامًا مع إيمان جامعة الدول العربية الراسخ بأهمية تنسيق السياسات وتضافر الجهود في كافة قضايا الاهتمام المشترك.

أهمية المؤتمر

وأشار إلى أن أهمية المؤتمر تتضاعف بشكل كبير بالنظر إلى الدور المتزايد الذي تلعبه التقنيات الحديثة في تطوير منظومات التسليح، وما أثارته هذه التقنيات من نقاش واسع حول حدود الاعتماد على الذكاء الاصطناعي والأنظمة المستقلة ذاتية التشغيل في اتخاذ القرار العسكري الحاسم، معتبرًا أن حضور هذا العدد الكبير من الخبراء وصناع القرار يعكس الاهتمام العربي المتنامي بهذه التطورات الحيوية.

كما أوضح أن المؤتمر ينعقد في سياق الجهود الدولية المستمرة الرامية إلى صياغة موقف مشترك وموحد تجاه التحديات المتجددة الناتجة عن توظيف التكنولوجيات الحديثة في العمليات العسكرية، وما تحمله من آثار إنسانية وقانونية وأخلاقية عميقة، لافتًا إلى أن هذه التحديات ترتبط بشكل مباشر بحماية المدنيين والأعيان المدنية وضمان الامتثال الصارم للقانون الدولي الإنساني.

وأضاف أن التقنيات المتقدمة في مجالات الذكاء الاصطناعي والطائرات بدون طيار والروبوتات وتقنيات التجسس والاستخبارات قد أحدثت نقلة نوعية وجذرية في أساليب القتال المعاصرة، وساهمت بفاعلية في تحسين دقة تحديد الأهداف العسكرية والحد من الإصابات بين المدنيين الأبرياء، إلا أن سوء استخدامها قد يضاعف المخاطر الإنسانية بشكل كبير ويؤدي إلى تعميق الأزمات القائمة في البيئات المتأثرة بالنزاعات المسلحة.

ضرورة التنسيق العربي

وشدد على ضرورة تعزيز التنسيق العربي والدولي المشترك لضمان الاستخدام المسؤول والأخلاقي لهذه التكنولوجيات المتطورة، وعدم تحولها إلى أدوات تصعيد للصراعات أو محفزات لسباقات تسلح خطيرة تهدد استقرار المجتمع الدولي بأسره، مشيرًا في الوقت ذاته إلى خطورة استخدامها كوسيلة للإفلات من المساءلة القانونية والعقاب.

وأكد أن النزاعات المسلحة التي تشهدها المنطقة قد أثبتت بما لا يدع مجالًا للشك تغير طبيعة الحروب والاعتماد المتزايد على القدرات التكنولوجية الحديثة، بما في ذلك الأنظمة السيبرانية والأسلحة ذاتية التشغيل المتقدمة، الأمر الذي يفرض ضرورة ملحة لوضع أطر قانونية دولية واضحة ومحددة تحول دون الانزلاق نحو سباق تسلح عشوائي يهدد حقوق الإنسان الأساسية والاستقرار الدولي.

وضرب مثالًا حيًا ومؤسفًا بالعدوان الإسرائيلي المستمر على غزة، الذي جرى خلاله توظيف تكنولوجيات حديثة وأنظمة ذكاء اصطناعي متطورة وروبوتات وكلاب آلية كأسلحة للقتل والإبادة الجماعية، دون أي اعتبارات إنسانية أو أخلاقية على الإطلاق، لتتحول غزة بذلك إلى “حقل تجارب مرير لما قد تبدو عليه حروب المستقبل المدمرة”.

وأشار إلى أن هذه الدعوة ليست بأي حال من الأحوال لوقف التقدم العلمي والتقني، بل هي لتوجيهه لخدمة السلم والأمن ورفاهية الإنسان في المقام الأول، وذلك عبر دعم الجهود الدولية الهادفة إلى وضع أطر قانونية دولية شاملة تنظم تطوير واستخدام الأنظمة العسكرية المستقلة، مع الحفاظ على السيطرة البشرية الكاملة في تشغيلها، ودعم تدابير بناء الثقة الفعالة، وتعزيز دور المنظمات الإقليمية والدولية في هذا الصدد، وتوظيف الذكاء الاصطناعي في الإنذار المبكر بالنزاعات المحتملة، وتحسين إيصال المساعدات الإنسانية العاجلة، واستخدام التكنولوجيا الرقمية لوقف العنف وإنهائه وليس تأجيجه وتصعيده.

وأعرب أشعيا عن أمله الصادق في أن يسهم المؤتمر بشكل فعال في دعم المبادرة العالمية لتجديد الالتزام السياسي بالقانون الدولي الإنساني، والمضي قدمًا نحو صياغة إطار تنظيمي أممي شامل يحكم استخدام أنظمة الأسلحة ذاتية التشغيل ويضمن توظيف الذكاء الاصطناعي في المجال العسكري بشكل مسؤول وآمن تمامًا.

وفي ختام كلمته، وجه الشكر الجزيل للجنة الدولية للصليب الأحمر وممثلي الدول العربية والخبراء العرب والأجانب على مشاركتهم القيمة، مؤكدًا ثقته الراسخة بأن ما سيُطرح من أفكار ومخرجات خلال المؤتمر سيمثل قيمة مضافة حقيقية لدعم الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي، ويخدم الجهود الإنسانية المشتركة لصالح المنطقة والعالم بأسره.