
تراجــع أسعـار المنتجـات الفلاحية قبيـل شـهر رمضـان
عكس التقرير الأخير للديوان الوطني للإحصائيات، الذي كشف عن بلوغ معدل التضخّم السنوي في الجزائر 1.5% إلى غاية نهاية شهر نوفمبر 2025، تحوّلًا مهمّا في المسار العام للأسعار، مقارنة بالأشهر السابقة، ويؤشّر على مرحلة جديدة من الاستقرار المستدام في السوق الوطنية، بعد سنوات اتّسمت بضغط تضخّمي متواصل بفعل عوامل داخلية وخارجية، لاسيما بعد جائحة كورونا.
يأتي التراجع بعد تسجيل معدل 1.7% في شهر أكتوبر المنصرم، ولا يمكن قراءة هذه الأرقام دون النظر إلى جملة الإجراءات الاقتصادية والاجتماعية التي تم اتخاذها خلال السنوات الأخيرة، وفي مقدّمتها التزامات رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، المتعلقة بمحاربة التضخّم، تحسين الدخل، ودعم القدرة الشرائية، وهي التزامات تُرجمت عمليًا من خلال قرارات مستمرة ذات أثر مباشر، من بينها القرار الأخير برفع الأجر القاعدي إلى 24 ألف دينار كحدّ أدنى، واعتماد ذلك رسميًا في الجريدة الرّسمية خلال الأيام الماضية. وتكتسي هذه المؤشّرات أهمية خاصة في هذا التوقيت بالذات، لاسيما مع اقتراب شهر رمضان المعظم، الذي يشهد عادة ارتفاعًا في الطلب على المواد الغذائية والسلع الأساسية، ما يؤثر على أسعارها، وبلوغ معدّلات التضخّم هذه القيم المنخفضة إلى هذا الحدّ من شأنه أن يدعم استقرار الأسعار بشكل كبير، ويحدّ من السلوكيات الاحتكارية، ويمنح الأسواق هامشًا أكبر للتوازن بين العرض والطلب. ويدعم هذا التوجّه ما كشفه التقرير ذاته من تسجيل انخفاض في أسعار المنتجات الغذائية بنسبة 0.7% مقارنة بالسنة الماضية، وتراجع أسعار المنتجات الفلاحية الطازجة بـ1.3%، خاصة الفواكه ولحوم الدجاج والخضر، وهي معطيات تعكس تحسّنًا في التموين وتوفّر المنتجات، نتيجة ارتفاع الإنتاج المحلي وتوسيع قدرات التخزين والتوزيع.
أفضلية إقليمية وإشارات إيجابية للاقتصاد الوطني
على المستوى المقارن، تُعد هذه النسب من بين الأفضل إفريقيًا، في ظلّ استمرار معدلات تضخّم مرتفعة في العديد من الدول الإفريقية، مما يعكس خصوصية المقاربة الجزائرية التي جمعت بين دعم الإنتاج المحلي، وتشديد الرقابة على الأسعار، وتفعيل قانون مكافحة المضاربة، إلى جانب الإرادة السياسية الواضحة في ضبط السوق وحماية المستهلك. كما أنّ الحفاظ على مستويات صرف مستقرّة نسبيًا، وقوة الدينار مقارنة بفترات سابقة، ساهم بدوره في الحدّ من التضخّم المستورد، بالرغم من زيادة الطلب خلال الفترات السابقة بسبب الزيادة السكانية وزيادة الطلب على المواد الأولية من قبل الصّناعيّين. ويؤكّد العديد من المراقبين أنّ الجزائر نجحت، خلال العام الماضي، في خفض معدّلات التضخّم بشكل لافت، بعدما كانت قد بلغت مستويات قياسية ناهزت 14٪ سنة 2022، لتستقرّ عند حدود 1.5٪، وهو ما يعكس بوضوح وجود إرادة حقيقية لحماية القدرة الشرائية ومنع تآكلها. ويأتي ذلك خلافًا لما روّجت له بعض المنابر التي ذهبت إلى أنّ التضخّم سيقضي على أي زيادات سابقة في الأجور بفعل ارتفاع الأسعار، غير أنّ واقع السوق، مدعومًا بالمعطيات الإحصائية الدقيقة، كشف محدودية هذا الطرح وابتعاده عن التحليل الاقتصادي الرّصين، خاصة وأنّ الأرقام الحالية تؤكّد نجاعة السياسات العمومية في كبح التضخّم إلى مستويات دنيا غير مسبوقة، ومن شأن الزيادات المقبلة في الأجور، التي وعد بها رئيس الجمهورية، أن تكون أكثر أثرًا ووضوحًا لدى المواطنين مقارنة بالزيادات السابقة، لاسيما في ظلّ هذا المستوى المنخفض للتضخّم. وفي نفس السياق، يرى مهتمّون بالشأن الاقتصادي الجزائري أنّ سياسة توطين الصناعات المحلية ودعمها خلال السنوات الخمس الماضية بدأت تعطي نتائج ملموسة، من خلال بروز سلاسل توريد محلية فعّالة، إلى جانب إنشاء مخازن قريبة من كبريات الأسواق الاستهلاكية، وهو ما أسهم في خفض تكاليف التخزين والنقل والتوزيع، وانعكس بشكل مباشر على السعر النهائي للمنتجات الموجّهة للمستهلك. كما أثبتت السياسة الردعية المتّبعة لمكافحة فوضى الاحتكار والسوق الموازية نجاعتها، خاصة بعد القضاء على مظاهر ما كان يُعرف بالاحتكار الموسمي، الذي مارسه في السابق دخلاء على السوق بهدف تخزين السلع خارج الأطر القانونية وبيعها بأسعار مضاعفة لتحقيق أرباح سريعة، وهي ممارسات يجرّمها القانون الجزائري في إطار قانون مكافحة المضاربة، مع عقوبات تصل إلى عشر سنوات سجنًا نافذًا.
