
في أجواء إيمانية عميقة ومفعمة بالخشوع والتضرع إلى الله عز وجل، أدى جموع المصلين اليوم (الخميس) صلاة الاستسقاء في رحاب المسجد الحرام بمكة المكرمة والمسجد النبوي الشريف بالمدينة المنورة، جاء ذلك امتثالًا لسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، وإحياءً لهذه الشعيرة العظيمة، التي تُقام عند تأخر نزول المطر، وحاجة العباد والبلاد الماسة إلى غوث السماء وبركاتها.
تأتي هذه الصلاة المباركة استجابةً لأمر سامٍ كريم وتأسّيًا بالهدي النبوي الشريف، ففيها يخرج المسلمون في خشوع وتذلل، مستشعرين افتقارهم المطلق لربهم، راجين رحمته الواسعة وفضله العميم، تُعد صلاة الاستسقاء من السنن المؤكدة التي تُعلي من شأن التوبة النصوح والاستغفار، لما لهما من دور جوهري كمفتاح للرزق والبركات السماوية.
صلاة الاستسقاء في المسجد الحرام
في رحاب البيت العتيق بمكة المكرمة، أُقيمت صلاة الاستسقاء بحضور صاحب السمو الملكي الأمير سعود بن مشعل بن عبدالعزيز، نائب أمير منطقة مكة المكرمة، وقد أمّ المصلين فضيلة الشيخ الدكتور عبدالله بن عواد الجهني، إمام وخطيب المسجد الحرام، الذي ألقى خطبة بليغة حثّ فيها المسلمين على تقوى الله في السر والعلن، مؤكدًا على أهميتها في حياة المؤمن.
في خطبته المؤثرة، شدّد فضيلة الشيخ الجهني على أن تقوى الله هي الحصن المنيع والملاذ الآمن من العذاب، محذرًا من العواقب الوخيمة للذنوب والمعاصي، التي تُعد سببًا رئيسيًا في منع نزول المطر من السماء، وانتشار الأمراض، وتفكك الصفوف، وزوال الهيبة، وأوضح فضيلته أن الله سبحانه وتعالى لا يحبس المطر بخلًا، فخزائنه ملأى لا تنفد، ولكن لحكمة بالغة تستدعي من العباد مراجعة أنفسهم، والتوجه إليه بالدعاء والتضرع، رجاء أن يعودوا إلى صراطه المستقيم.
صلاة الاستسقاء في المسجد النبوي
أما في مدينة المصطفى صلى الله عليه وسلم، فقد توافدت جموع المصلين إلى المسجد النبوي الشريف لأداء صلاة الاستسقاء، وكان في مقدمتهم صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن سلطان بن عبدالعزيز، أمير منطقة المدينة المنورة، وقد أمّ المصلين فضيلة الشيخ عبدالباري بن عواض الثبيتي، إمام وخطيب المسجد النبوي الشريف.
ركّز فضيلة الشيخ الثبيتي في خطبته على الأبعاد الروحية والقلبية لهذه الشعيرة، مبينًا أن احتباس المطر يُعد رسالة ربانية لتنبيه الغافلين وإيقاظ القلوب النائمة، داعيًا إلى أهمية إصلاح ذات البين ورد المظالم إلى أهلها، وأشار إلى أن الماء هو عصب الحياة، وأن انقطاعه يذكّر المؤمنين بأن الأرزاق كلها بيد الله وحده، مما يستلزم الخضوع التام والانكسار بين يديه، والإكثار من الاستغفار، الذي جعله الله سببًا رئيسًا لدرّ الرزق ونزول المطر.
الأهمية الروحية والاجتماعية لصلاة الاستسقاء
تكتسب هذه الشعيرة أهمية بالغة في نسيج المجتمع الإسلامي، فهي تجسّد عمق التوكل على الله والارتباط الوثيق بين العبد وربه في كل الأحوال، وتُظهر أيضًا وحدة المسلمين وتآلف كلمتهم في التوجه إلى الخالق سبحانه، سائلين إياه أن يغيث البلاد والعباد بفضله وكرمه، وأن يجعل ما ينزله عليهم غيثًا مباركًا للحاضر والباد، وسقيا رحمة لا سقيا عذاب، ولا هدم، ولا غرق، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
