
تستقبل الدراما الخليجية موسم رمضان 2026 بجدول إنتاجي هو الأضخم والأكثر تنوعًا منذ سنوات طويلة، حيث تبرز الدراما السعودية بحضورها القوي واللافت لتفرض نفسها كلاعب رئيسي ومؤثر في المشهد الفني العربي. يشهد هذا الموسم منافسة محتدمة وواضحة بين القنوات الفضائية التقليدية والمنصات الرقمية الكبرى، كلٌ يسعى لجذب الأعمال الدرامية الأكثر ثقلًا من حيث أسماء النجوم، جودة الإنتاج، وعمق الموضوعات المطروحة. يلاحظ المتابعون للشأن الفني توجه الموسم الحالي بذكاء نحو مزيج متوازن وفريد، يجمع بين الكوميديا الاجتماعية، التي ما تزال تحظى بأكبر قاعدة جماهيرية وتفضيل لدى الأسر الخليجية، وبين أعمال الغموض، التحقيق، والجريمة التي بدأت تستقطب فئات شبابية جديدة، بالإضافة إلى عودة ملحوظة ومبهرة لدراما البيئة المحلية والحقب التاريخية، في مسعى طموح لتوسيع قاعدة جمهور الدراما الخليجية عربيًا، وتجاوز حدودها التقليدية للوصول إلى العالمية عبر جودة الإنتاج وثرائه، وعمق السرد القصصي المقدم.
هيمنة الدراما السعودية: استثمار للنجاحات الماضية وتوسيع للآفاق
في المملكة العربية السعودية، يتصدر المشهد الدرامي استمرار الأعمال التي حققت نجاحًا باهرًا في المواسم السابقة، حيث يعود مسلسل “شارع الأعشى 2” ليواصل سرديته الغنية بالبيئة الشعبية والتفاصيل الاجتماعية المرتبطة بتحولات المجتمع السعودي عبر حقب زمنية مهمة. يستثمر هذا العمل، المقتبس من رواية “غراميات شارع الأعشى”، عناصر النوستالجيا والحي الشعبي الأصيل، مقدمًا خطوطًا درامية جديدة تضع شخصياته أمام تحديات نفسية واجتماعية أكثر تعقيدًا، بمشاركة نخبة من النجوم اللامعين مثل إلهام علي وخالد صقر. في سياق متصل، تبرز القوة الكوميدية المتمثلة في مسلسل “شباب البومب 14” الذي يعوّل على قاعدته الجماهيرية العريضة من الشباب، إلى جانب مسلسل “يوميات رجل متزوج” للفنان إبراهيم الحجاج، الذي يقدم كوميديا اجتماعية هادفة ترصد تحديات الحياة الزوجية بأسلوب ساخر يلامس الواقع اليومي، مما يعزز من مكانة الكوميديا السعودية كعنصر جذب أساسي ومحوري في خارطة رمضان الدرامية.
ملحمية البيئة النجدية وإثارة التشويق: “كحيلان” و”حي الجرادية”
في خط درامي مختلف تمامًا يتسم بالجدية والصبغة الملحمية، يظهر مسلسل “كحيلان” كأحد أبرز الأعمال التي تعيد الاعتبار للبيئة النجدية القديمة وأصالتها، حيث تتصاعد فيه صراعات الزعامة والنفوذ ضمن شبكة من المكائد القبلية والعلاقات الاجتماعية المتشابكة، موظفًا الفضاء الصحراوي كجزء عضوي وأصيل من السرد الدرامي. بجانب هذه الأعمال التراثية، تتجه الدراما السعودية نحو أبعاد أكثر قتامة وإثارة من خلال مسلسل “حي الجرادية”، الذي ينتمي لسينما الانتقام والتشويق، ويطرح تساؤلات جوهرية حول العدالة الفردية في مجتمع لا يمنح الفرص الثانية بسهولة. يمتد هذا التنوع المذهل ليشمل قضايا المراهقة والهوية في مسلسل “الحصة الأخيرة”، والكوميديا الشعبية المتجددة في “جاك العلم 3″، مما يؤكد بجلاء أن الدراما السعودية في عام 2026 لم تعد تقتصر على نمط واحد، بل أصبحت مظلة واسعة وشاملة تضم كافة الأنماط الدرامية التي تلبي أذواق المشاهد العربي المتنوعة بمختلف توجهاته واهتماماته.
الدراما الكويتية: عمق نفسي، قضايا عائلية، ونوستالجيا الثمانينات
أما في دولة الكويت الشقيقة، فتقدم الخريطة الدرامية لهذا العام تنوعًا لافتًا يغلب عليه الطابع العائلي والبعد النفسي العميق، مع عودة قوية لأجواء حقبة الثمانينات التي تستحوذ على اهتمام شريحة واسعة من المشاهدين. يبرز مسلسل “غلط بنات” كأحد أهم الأعمال التي تناقش قضايا الشرف، القسوة الأبوية، وتأثير “الغلطة الواحدة” المدمر على كيان الأسرة، في صراع مؤثر تقوده الأم لاستعادة توازن البيت الكويتي، بمشاركة النجوم إلهام الفضالة وجمال الردهان. كما تواصل الكويت تميزها في دراما البيئة المحلية الأصيلة عبر مسلسل “سموم القيظ”، وتتناول قضايا العدالة المفقودة في “أعوام الظلام”، حيث يتم التركيز ببراعة على الندوب النفسية العميقة التي يتركها الظلم الاجتماعي. يعزز هذا التوجه الكويتي نحو الدراما “الثقيلة” والمتقنة من التكامل الفني الخليجي، ويجعل من رمضان 2026 موسمًا استثنائيًا يجمع بين الترفيه الكوميدي السعودي والعمق الدرامي الكويتي في تمازج فني رائع يبشر بولادة كلاسيكيات درامية جديدة لا تُنسى.
