الذكاء الاصطناعي في مواجهة القلق البشري من مستقبل الكتابة الأدبية

الذكاء الاصطناعي في مواجهة القلق البشري من مستقبل الكتابة الأدبية

يسيطر قلق متزايد على الأوساط الأدبية في مصر والعالم العربي، وربما على مستوى العالم، حول قدرة برامج الذكاء الاصطناعي على إنتاج نصوص أدبية، خاصة في مجالي الرواية والقصة القصيرة، ورغم مشروعية هذا القلق، إلا أنه يحتاج إلى تحليل لفهم طبيعة التكنولوجيا وما تقدمه بالفعل.

جوهر الذكاء الاصطناعي

تخبرنا الحقيقة العلمية أن الذكاء الاصطناعي لا “يبدع” بالمعنى الإنساني، بل يعمل عبر نماذج لغوية ضخمة تعتمد على التنبؤ الإحصائي للكلمات، فعند طلب كتابة قصة، لا يستحضر البرنامج تجارب شعورية أو مواقف حياتية، بل يبحث في ملايين النصوص المخزنة لديه للعثور على الكلمة الأكثر احتمالاً للظهور بعد الكلمة السابقة.

المحاكاة النمطية

تُعرف هذه العملية باسم “المحاكاة النمطية”، تعني أن الذكاء الاصطناعي يقلد بنى الجمل العربية وجمالياتها السابقة، لكنه يعجز عن ابتكار صوت خاص أو رؤية فلسفية جديدة، كما أنه يعيد تدوير ما هو متاح فعلاً، وهو ما يفسر لماذا تكون النصوص الناتجة عنه “بلا روح” أو “متوقعة” للقارئ الخبير.

القيمة الحقيقية للمبدع

نصل هنا إلى نقطة جوهرية تُثار في الندوات الأدبية ودراسات النقاد، وهي أن هذه الأدوات لا تشكل خطرًا على المبدع الحقيقي الذي يمتلك بصمة ذاتية وتجربة إنسانية فريدة، بل هي تشكل خطراً حقيقياً على “أنصاف المبدعين”، أولئك الذين يعتمدون على القوالب الجاهزة، والحبكات المكررة، واللغة المستهلكة التي لا تضيف شيئاً جديداً.

استخدام الذكاء الاصطناعي كأداة

في جوهره، يُعتبر الذكاء الاصطناعي وسيلة مساعدة، وليس مبدعاً بديلاً، إذ يمكن للكاتب استخدامه كأداة للبحث، أو لتنظيم الأفكار، أو حتى لتجاوز حالة التوقف عن الكتابة، من خلال اقتراح مسارات تقنية، لكنه لا يمكنه أن يحل محل الخيال الإنساني الذي يربط النص بالواقع الاجتماعي والسياسي، فالأدب ليس مجرد رص كلمات بجوار بعضها بدقة لغوية، بل هو انعكاس لتفاعلات البشر مع بيئتهم، وهذا أمر لا تدركه الخوارزميات مهما بلغت درجة تطورها.

تحديات وضرورات الفهم

إن الهجوم على هذه التكنولوجيا أو تجاهلها ليس حلاً، بل يكمن الحل في فهم حدودها، وإذا كان الذكاء الاصطناعي يفتقر إلى ما نسميه السياق الثقافي، أي القدرة على فهم الرموز والمدلولات الخاصة ببيئة معينة مثل الحارة المصرية، أو التعقيدات اللغوية في اللهجات الدارجة وتوظيفها فنياً، فإن الكاتب سيبقى المحرك الأساسي، وستظل الآلة مجرد قلم متطور في يده، أو سكرتير رقمي مساعد يرتب أفكاره الموجودة بالفعل، سكرتير دقيق ومنظم وسريع العمل.

خلاصة الخوف

يجب أن لا يكون الخوف من تطور الآلة، بل من تراجع العمق الإنساني في كتاباتنا، فالمبدع الذي لا يضيف شيئاً يتجاوز ما يمكن للآلة إنتاجه، هو من سيجد نفسه خارج الساحة الأدبية قريباً.

ولذا، يبقى الحديث مفتوحاً.