
مع اندلاع المواجهة الأخيرة بين إسرائيل وإيران، والتي لُقبت بـ”حرب الـ12 يومًا”، فاجأت إسرائيل طهران بضربة جوية مركزة في الساعات الأولى، مستهدفة قيادات الصف الأول في الحرس الثوري والجيش، بما في ذلك قائد الحرس الثوري حسين سلامي، ورئيس الأركان محمد باقري، بالإضافة إلى عدد من كبار الضباط والعلماء النوويين.
لقد خلّف هذا الاستهداف الممنهج فراغًا في القيادة داخل المؤسسة العسكرية الإيرانية، وأربك سيرورة اتخاذ القرار خلال اليومين الأولين من الصراع، كما أوضحت تحليلات متعددة أن هذه المعطيات الميدانية قد أبطأت استجابة طهران وأفقدتها عنصر المقدام في لحظة بالغة الحرج.
اقرأ أيضًا
- قبل الطوفان بكثير.. إسرائيل وخطط محو الإنسان من غزة.
- كيف تحوّل الإسرائيليون إلى منبوذين في أوروبا؟.
- بسبب الذعر في إسرائيل.. هل “الأقفاص الذهبية” هي الحل؟.
لكن المثير في هذه الضربة لم يقتصر على حجم الخسائر المادية فحسب، بل امتد ليشمل الأدوات التي أتاحت لإسرائيل تحديد أهدافها ببالغ الدقة، فبدلًا من الاعتماد الكلي على المنظومات العسكرية التقليدية، لجأت تل أبيب إلى تسخير تقنيات يُفترض أنها مدنية وسلمية، على غرار تطبيقات المراسلة وأنظمة الملاحة.
وفقًا لتقارير إيرانية، جرى استخدام تتبع الهواتف المحمولة في اغتيال شخصيات بارزة داخل إيران، وذلك من خلال بعض المنصات المعروفة التي تُروّج لنفسها كمنصات آمنة بفضل خاصية “التشفير التام بين الطرفين”، وهي منصات تؤكد عدم قدرة أي طرف، بما في ذلك الشركة نفسها، على الاطلاع على الرسائل أو تتبعها.
لكن الواقع أكثر تعقيدًا مما تروجه الشركات، فالبيانات الوصفية (metadata)، التي تشمل هوية المُرسِل والمستقبل، ومكانهما، وتوقيت الرسائل، وحتى حجمها، تظل مكشوفة رغم التشفير، هذه التفاصيل، رغم أنها قد تبدو ثانوية، كافية لبناء صورة شاملة عن أنماط التواصل والحركة بين الأشخاص المعنيين، ما يمنح أجهزة استخبارات مثل “الموساد” قدرة فائقة على تتبع الأشخاص ورصد مواقعهم بدقة عالية.
ومع أي اختراق مباشر للهاتف عبر برنامج تجسس متطور، مثل “بيغاسوس”، تتلاشى الخصوصية تمامًا، ويتحول الهاتف الذكي من وسيلة شخصية للتواصل إلى خزنة أسرار مكشوفة بين يدي الأعداء.
إضافة إلى ذلك، لعب نظام تحديد المواقع العالمي “جي بي إس” (GPS) دورًا آخر في هذا الصراع، فقد أدت تقنيات التشويش والتضليل إلى تقليل دقة بعض الصواريخ الإيرانية، ما تسبب في انحرافها عن مسارها وفشلها في بلوغ أهدافها، ولا ينفي ذلك بالطبع ما شهدناه جميعًا من وصول عدد من الصواريخ ذات القدرة التدميرية الهائلة إلى مناطق حساسة في قلب إسرائيل، بمستويات تفجيرية غير مسبوقة لدولة الاحتلال.
اللافت هنا، أن تداعيات هذه العملية لم تقتصر على الجبهة العسكرية، بل امتدت لتشمل الملاحة المدنية أيضًا، ففي الخامس عشر من يونيو/حزيران الماضي، اصطدمت ناقلة النفط “فرونت إيجل” بناقلة أخرى قرب مضيق هرمز، بعدما بثت إشارات مواقع متناقضة، ما أدى إلى انحرافها عن مسارها واشتعال النيران فيها، كما سجلت مئات السفن والطائرات اضطرابات مماثلة في بيانات مواقعها.
هذا الدمج بين المدني والعسكري ليس استثناءً، بل هو جزء من نهج أوسع صاغت فيه إسرائيل فلسفة أمنية ترتكز على تذويب الفواصل بين المجالين، وتحويل الأدوات اليومية إلى أسلحة مدمجة ضمن ترسانة الحرب الحديثة، وهذا الأمر ليس بجديد، إذ إن الميدان الأول لهذه التجارب لم يكن في إيران، بل على أجساد الفلسطينيين وأرضهم.
في الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة، جُرّبت خلال الأعوام الماضية أنظمة مراقبة بالغة التطور، وجرى تدريب خوارزميات التعرف على الوجه والتتبع بالفيديو، واختبرت الطائرات المُسيّرة كـ”مستجيب أول” للحوادث.
بهذه الطريقة، تمارس سلطات الاحتلال الإسرائيلي نمطًا من الحكم يعتمد على تسخير التكنولوجيا “المدنية” لأهداف أمنية وعسكرية، ثم إعادة تسويقها للأسواق العالمية بوصفها “حلولًا ذكية” للمدن، أو الصناعة، أو الرعاية الصحية، هذه الظاهرة، التي يمكن تسميتها بـ”خدعة الاستخدام المزدوج”، تُعيد تدوير خبرات السيطرة في سياق استعماري لتتحول إلى منتجات عالمية مربحة.
تبييض أدوات القمع
يُقصد بالاستخدام المزدوج أن تكون السلعة أو التقنية قابلة للتوظيف في الأغراض المدنية والعسكرية على حد سواء، بدءًا من أدوات الاتصالات والإنترنت وصولًا إلى أنظمة الملاحة، والطائرات المسيّرة، والبرمجيات المتقدمة.
تخضع هذه التجارة لشبكة من الاتفاقيات الدولية والأنظمة الوطنية، ويُعد اتفاق “واسنار” أبرزها، وهو اتفاق يحدد قوائم السلع مزدوجة الاستخدام، ويُلزم الدول الأعضاء بمراقبة صادراتها لمنع تحويلها إلى قدرات عسكرية يمكن توظيفها في استخدامات غير مشروعة.
لكن إسرائيل لم تنضم رسميًا إلى “واسنار”، وتعتمد بدلًا من ذلك على قانون محلي يفرض رقابة على تصدير السلع العسكرية أو مزدوجة الاستخدام، على أرض الواقع، تبدو الرقابة مليئة بالثغرات، ففي حين يركز القانون على الأسلحة التقليدية، تمر تقنيات مثل أنظمة التعرف على الوجوه أو برامج تحليل الفيديو كتقنيات مدنية، لتباع لاحقًا كحلول للأمن والسلامة العامة.
يُعرف هذا الالتفاف بـ”غسل الغرض”، أي تسويق أدوات السيطرة وكأنها منتجات بريئة، مثل إعادة تقديم برمجيات تتبع الفلسطينيين عند الحواجز على أنها أنظمة لإدارة المرور في مدن غربية، ومع غياب رقابة صارمة وشفافية حقيقية، تتحول هذه “المرونة” إلى منفذ مفتوح يتيح للشركات الإسرائيلية تصدير تقنيات جرى اختبارها أولًا في بيئة الاحتلال، قبل عرضها في الأسواق العالمية كابتكارات مدنية للأمن وتنظيم الخدمات.
من الاحتلال إلى المدن الذكية
من الأمثلة البارزة على تداخل المدني والعسكري شركة “بريف كام” الإسرائيلية (BriefCam)، وهي شركة ناشئة طورت تقنية تُعرف بـ”ملخص الفيديو”، خوارزمية تقوم بتحليل ساعات من تسجيلات كاميرات المراقبة وتلخيص الأحداث المهمة في دقائق معدودة، مما يجعل تتبع الأفراد والأشياء أسرع بكثير مقارنة بالبحث البشري التقليدي.
لم تقتصر وظيفة هذه التقنية على كونها مجرد ابتكار تجاري، بل تحولت سريعًا إلى أداة في يد قوات الأمن الإسرائيلية لتعزيز الرقابة في القدس الشرقية المحتلة، فقد استُخدمت في متابعة الحركة بالبلدة القديمة وأحياء مثل سلوان، تحت غطاء “حماية المستوطنين”، بينما هي في الحقيقة جزء من شبكة سيطرة أمنية واسعة، حيث قُسّمت المدينة إلى مناطق تُدار عبر مراكز تحكم مرتبطة بنظام مركزي، ما أتاح مراقبة آنية دقيقة، لتصبح الخوارزمية أداة رئيسية في فرض الرقابة على الفلسطينيين، وهو الاستخدام الأول الذي أثبت فعاليتها.
بعد هذه التجربة الميدانية، أعادت الشركة تسويق نفسها عالميًا كمنصة للسلامة العامة، وفي عام 2018، استحوذت عليها شركة كانون اليابانية، لتبدأ “بريف كام” في تبني خطاب “المدن الذكية” بقوة.
على موقعها الرسمي، تُروّج الشركة لفوائد تقنيتها في تعزيز الأمان ومكافحة الجريمة، وحتى إدارة المرور، مع أمثلة من مدن مثل شيكاغو، غير أن ما يجهله كثير من العملاء في الغرب، أن هذه الخوارزمية صُممت أساسًا بخصائص عسكرية إسرائيلية، ففي حين تُسوّق كأداة لبناء مدن أكثر أمانًا، فإن جذورها ارتبطت بمراقبة سكان يرزحون تحت الاحتلال.
وهكذا تُعاد صياغة الرواية، من “أداة سيطرة ورقابة” في أزقة القدس الضيقة، إلى “حماية المواطنين” في مدن الغرب.
المفارقة تكمن في أن الأداة ذاتها التي تفرض الرقابة في القدس، يمكن استخدامها في مدينة أوروبية لمتابعة حركة المرور أو ضبط المشاغبين في مباراة لكرة القدم، وفي حين تبدو هذه التطبيقات مشروعة ظاهريًا، فإن جوهرها واحد، يتمثل في القدرة الهائلة لهذه التقنيات على جمع وتحليل البيانات الشخصية، وتحويل أي مدينة إلى فضاء مراقبة شامل يهدد الخصوصية.
وبينما تتنصل “بريف كام” ومثيلاتها من المسؤولية، معتبرة أن التقنية “مجرد أداة” وأن الاستخدام يعود للمشتري، فقد انكشفت هشاشة هذا التبرير أولًا داخل إسرائيل نفسها قبل انهياره عالميًا، ففي عام 2020 ومع تفشي جائحة كورونا، قررت الحكومة الإسرائيلية تكليف جهاز الأمن الداخلي (شاباك)، المسؤول بالأساس عن مكافحة الإرهاب، بتعقب المصابين ومخالطيهم عبر بيانات مواقع الهواتف.
وبذلك، أُعيد توجيه أدوات مراقبة صُممت في الأصل لملاحقة النشطاء الفلسطينيين لتشمل جميع السكان داخل الخط الأخضر، وهو ما فجّر جدلًا واسعًا حول الخصوصية، ودفع “منظمات حقوقية إسرائيلية” إلى تقديم شكوى للمحكمة العليا.
تمرين على المراقبة تحت ستار الرعاية الصحية
لم يقتصر الأمر على جهاز الشاباك، بل دخلت على الخط شركة “إن إس أو” سيئة السمعة، صاحبة برنامج “بيغاسوس” للتجسس، في محاولة لتقديم نفسها كمنقذ تقني في زمن الجائحة.
ففي مارس/آذار 2020، أعلنت الشركة عن ابتكار نظام تعقب لمصابي كورونا، أطلقت عليه اسم “فليمينغ”، وروّجت بأنه قادر على متابعة مواقع وهواتف المرضى وتنبيه السلطات بالمخالطين، دون انتهاك الخصوصية، وهو ادعاء قوبل بتشكيك واسع النطاق.
آنذاك، دعم رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق نفتالي بينيت تلك المبادرة وروّج لها، في حين سارعت الشركة إلى تسويق النظام لحكومات عدة حول العالم، بما في ذلك الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية، أي أن الشركة التي بنت سمعتها على بيع أدوات القرصنة للأنظمة القمعية، حاولت مؤقتًا ارتداء ثوب الحفاظ على الصحة العامة.
لكن سرعان ما انكشف المستور، ففي مايو/أيار من ذلك العام، عثر باحث أمني مستقل على قاعدة بيانات تخص “إن إس أو”، منشورة على الإنترنت بلا أي حماية، مرتبطة بنظام “فليمينغ”، وتبيّن أنها تحتوي على نصف مليون سجل حركة يخص نحو 30 ألف هاتف حقيقي في عدة دول، من بينها دول عربية.
أظهر هذا الاكتشاف أن الشركة استخدمت غالبًا بيانات حقيقية لتدريب نظامها، ورغم إنكارها تسريب معلومات شخصية وزعمها أن ما عُرض مجرد “بيانات مموّهة للعرض التجريبي”، بدت تفسيرات الشركة الإسرائيلية متناقضة وغير مقنعة، حيث أوضحت التحقيقات أن أنماط الحركة في البيانات لا يمكن أن تكون مصطنعة، بل تتطابق مع بيانات هواتف حقيقية، وهو ما عمّق المخاوف من منح شركات التجسس وصولًا إلى معلومات صحية بالغة الحساسية تحت غطاء “الخدمة العامة”، فيما اعتبرها مراقبون دليلًا جديدًا على سجل الشركة في انتهاك الخصوصية، ودليلًا عامًا على توظيف الشركات الإسرائيلية لتقنياتها المدنية بوصفها بوابة خلفية للتجسس والمراقبة.
مسابقات الجنود وصناعة السجن الرقمي
مثال آخر يوضح كيف يمكن لتقنية ذات طابع مدني أن تتحول إلى أداة عسكرية للسيطرة، هو ما جرى مع نظامي “بلو وولف” و”ريد وولف”، ففي حين يُسوّق التعرف على الوجه عالميًا كأداة لإدارة المرور أو تعزيز السلامة العامة، استُخدم في فلسطين لبناء قاعدة بيانات بيومترية ضخمة، تحوّل وجوه الناس إلى مفاتيح مرور أو منع عند الحواجز.
“بلو وولف” هو تطبيق هواتف ذكية طوّره جيش الاحتلال، يتيح للجنود تصوير أي فلسطيني يصادفونه، ثم يُجري التطبيق مطابقة فورية لصورة الوجه مع قاعدة بيانات مركزية ضخمة أشبه بـ”فيسبوك سري للفلسطينيين”، وعند المسح، تظهر إشارة لونية تحدد وضع الشخص، فالأخضر يعني السماح بالعبور، أما الأصفر فيعني توقيفه، بينما يدل الأحمر على ضرورة اعتقاله.
ولإثراء قاعدة البيانات الخاصة بالتطبيق، نظم الجيش عام 2020 مسابقات بين الجنود للتنافس على التقاط أكبر عدد من الصور، بما في ذلك صور الأطفال وكبار السن، وقدم جوائز للوحدات الأكثر نشاطًا.
وبالتوازي مع “بلو وولف”، نشر الاحتلال كاميرات ثابتة على مداخل البلدات وعند الحواجز العسكرية، مربوطة بنظام آخر للتعرف على الوجوه يُدعى “ريد وولف”، هذه المنظومة الرقمية المتكاملة، تُعد من أوسع عمليات المراقبة البيومترية ضد شعب واقع تحت الاحتلال في العالم، وأكثرها تقدمًا وتعقيدًا، فهي تمزج بين التصوير الميداني العشوائي، والكاميرات الثابتة، وقواعد البيانات المركزية، والمحصلة “سجن رقمي” يوازي الجدران والحواجز الفيزيائية.
ورغم هذه الصورة القاتمة، لا تُصنّف هذه الأنظمة كسلاح تقليدي، بل كتقنية مزدوجة الاستخدام، فبرمجيات التعرف على الوجه يمكن توظيفها نظريًا في تطبيقات مدنية، مثل فتح الهواتف ببصمة الوجه أو التحكم في دخول المباني الآمنة، ولهذا تُسوّق عند تصديرها إلى الخارج بوصفها أدوات أمن مدني.
وتكشف تقارير عن وصول بعض تقنيات “بلو وولف” إلى أسواق أخرى عبر شركات وسيطة، كما حذرت منظمات حقوقية من استخدامها ضد معارضين سياسيين في دول مختلفة، والمشكلة أن القوانين الدولية الحالية لا تتضمن نصوصًا صريحة تمنع بيع برمجيات التعرف على الوجه، إذ إن هذه التقنيات ليست مدرجة تفصيليًا ضمن قوائم “واسنار” التقليدية.
يستغل الاحتلال الإسرائيلي هذا الفراغ القانوني للترويج لصناعاته التي اختُبرت ميدانيًا في فلسطين، قبل إعادة تغليفها وتسويقها كحلول للأمن الحضري في دول تبحث عن أدوات متطورة لمراقبة السكان أو ضبط الحدود.
سرديات التجميل
تعتمد إسرائيل وشركاتها على سردية إيجابية في تسويق تقنياتها مزدوجة الاستخدام، حيث تُقدّم على أنها أدوات سلمية للسلامة العامة أو التطوير المدني، تخدم أهدافًا نبيلة إذا استُخدمت في سياق مختلف، لكن تتبع مسار هذه الأدوات من المختبر إلى الميدان الفلسطيني، يكشف أن معظمها وُلد لأغراض السيطرة والتفوق العسكري، ثم أُعيد تغليفه بخطاب مدني.
يتم ذلك باستخدام لغة تسويقية تجميلية تخفي حقيقة التقنيات، فأنظمة مراقبة الجماهير، يُعاد تسميتها لتصبح “أنظمة إدارة الحشود”، بينما تُباع الكاميرات الحرارية المصممة لكشف الأجسام الحية خلف الجدران، والتي استُخدمت لاصطياد المقاومين، بوصفها أجهزة رؤية ليلية للإنقاذ، هذا التغليف اللفظي يغير القشرة فقط دون تغيير جوهر الاستخدام، حيث لا تتغير التقنية نفسها لكن السردية تتغير وفقًا للجمهور المستهدف.
من أبرز الشركات التي تُجسد اللغة التسويقية التجميلية شركة “إكسوديجو” الإسرائيلية، التي تأسست عام 2021 على يد جيريمي سوارد وإيدو جونين، وكلاهما من خريجي وحدات الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، فقد طورت الشركة تقنيات متقدمة لرصد الأنفاق، انطلاقًا من خبرة مكتسبة في السياق العسكري ضد الفلسطينيين، لكنها تجنبت تمامًا الإشارة إلى استخدامها الفعلي في غزة، وبدلًا من ذلك، أعادت تسويق التقنية كحل مدني لتعزيز أمن الحدود أو لفحص الأرض، قبل تنفيذ مشاريع سكك حديدية فائقة السرعة في الولايات المتحدة وأوروبا.
إذًا، تلعب إسرائيل على الفصل الذهني بين الأصل والمنتج الحالي، فهي تُقدّم أنظمة طُوّرت في سياق قمعي بوصفها ابتكارات محايدة أو أدوات مدنية، وإذا لم يكن المشتري أو الرأي العام على علم بأن هذه التقنيات جُرّبت في السيطرة على شعب يرزح تحت الاحتلال، فلن يتولد لديه أي نفور أخلاقي مسبق، بل على العكس، قد يُنظر إليها كـ”تكنولوجيا متقدمة وضرورية”، تُباع تحت لافتة الأمن أو التنمية.
ومع ذلك، تظهر التجربة أن أنظمة الرقابة بطبيعتها تميل إلى التوسع في الصلاحيات، فالنظام الذي يتيح للحكومات رؤية شاملة، نادرًا ما يقاوم إغراء استخدامه لأبعد من الهدف المعلن، ففي مينيابوليس الأميركية، المدينة التي شهدت شرارة احتجاجات جورج فلويد عام 2020، كانت السلطات قد بدأت في استخدام نظام “بريف كام” أثناء احتجاجات حركة “حياة السود مهمة”.
والخلاصة هي أن تغيير المسميات أو التسويق المدني لن يغير الحمض النووي لهذه الأنظمة، فالنظام الذي وُلد للتجسس سيظل ينزع إلى التجسس، حتى لو وُضع في قسم مرور أو غُلّف بعبارات السلامة العامة.
