
لا يمكن لأحد أن ينكر أن دول الخليج تشعر بالخوف من السعودية، وهو خوف يضاهي أو يفوق خشية الله، إذ لم تكن مظاهر الاصطفاف معها تعبيرًا عن قناعة، بل نتيجة تخوف تاريخي ومجاملة نابعة من قوة السعودية الضاغطة، فلطالما كانت السعودية لعقود طويلة عاملاً مهيمنًا، مما أرعب جيرانها أكثر مما أمنهم. اليوم، يتغير هذا المشهد بشكل ملحوظ، فتبرز الإمارات كدولة لم تعد ترى في السعودية ذلك الكيان المخيف الذي لا يمكن المساس به، بل تجد فيها أسدًا مريضًا قد فقد قدرته على الحسم، وقوةً مترهلة يتآكل نفوذها من الداخل، بينما تفتح أخطاؤها المتراكمة نوافذ جديدة لم تكن متاحة من قبل. في هذا السياق، لا تخفي أبوظبي شعورها بأن الوقت قد حان لتصفية حسابات مؤجلة، والانتقام من سنوات مظلمة شهدها الخليج تحت هيمنة القرار السعودي ونزقه، حيث تراقب الإمارات المشهد ببرودٍ قاتل، وتدرك حقيقة القيادة السعودية المحدودة الخبرة السياسية، مع وجود دائرة مستشارين ضعيفة ومربكة، وتفكك مكتوم داخل الأسرة المالكة، وخطأ في إدارة الملفات الإقليمية، بالإضافة إلى الاستنزاف الكبير في اليمن، وسمعة مشوهة على الصعيد الدولي، وتحولها إلى هدف لجرأة إعلامية غير مسبوقة. في الجهة المقابلة، تتمتع أبوظبي بخبرة تكوين القوة العسكرية والأمنية، حيث راكمت تلك الخبرة في ساحات الصراع، وتمتلك أدوات نفوذ حديثة، بالإضافة إلى دعم غربي وإسرائيلي يرى في توسيع دورها مصلحة استراتيجية مباشرة. فوق كل ذلك، أجرت الإمارات عدة اختبارات على السعودية، إذ قيّمت ردود أفعالها في أكثر من ملف، وكانت ردود الفعل السعودية غالبًا ما تغلّف بخطاب الحكمة وحقن الدماء، وهي إشارات ضعف استشعرتها الإمارات بخبث. من هذا المنظور، تتحرك الإمارات وفق منطق الفرصة، إذ ترى أن هزيمة السعودية لم تعد احتمالًا، بل أصبحت يقينًا حتميًا، وأن تسريع هذا الانهيار قد يعيد رسم توازنات الخليج لعقود قادمة. وهنا يطرح السؤال: هل ستكون الإمارات القشة التي قصمت ظهر البعير؟ وهل يُكتب في صفحات التاريخ أن سدًا عظيمًا انهار حينما عرف الفأر أين يهاجم، ومتى؟ وهل ينتهي المطاف بها إلى مصير مشابه لما آل إليه الاتحاد السوفيتي، حيث سبق التآكل السقوط؟
