
يعتمد المعسكر الاستسلامي العربي، كلما أراد تمهيد الظروف للتطبيع مع الكيان المؤقت، وإبرام اتفاقيات استسلام لإسرائيل، ومحاولة وأد القضية الفلسطينية والتخلص من خيار المقاومة، على إعادة تنشيط ما يُعرف بـ “مبادرة السلام العربية”، التي وصفها أرييل شارون مسبقًا بأنها “لا تستحق الحبر الذي كُتبت به”، والتي لم تكن لتظهر أصلًا -أي المبادرة- لولا إصرار السعودية بزعامة ولي عهدها السابق عبدالله بن عبد العزيز على إقرارها في الجامعة العربية، بهدف كسب رضا الرئيس الأمريكي حينها، جورج بوش الابن. لكن، خذلت أمال حاكم السعودية الفعلي، حينما رفض بوش استقبال الوفد الوزاري العربي الذي كانت تنوي زيارة لإيضاح تفاصيل تلك المبادرة، بل وقدم مبادرته “خارطة الطريق” كتعبير عن قتل المبادرة العربية في مهدها.
هذا الأمر تم الكشف عنه من قبل وزير الخارجية السوري فاروق الشرع في الجزء الثاني من كتاب مذكراته الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، حيث أشار إلى أن “الحماس السعودي للموافقة على مبادرة السلام العربية كان أكبر من حماسة باقي العرب، وخاصة أن هجمات الحادي عشر من سبتمبر، التي تم اتهام بعض مواطنيها بالضلوع فيها، لم يمضِ عليها سوى أشهر قليلة، مما جعل المملكة أكثر إقدامًا على إعطاء انطباع للأمريكيين والعالم بأنها داعية للسلام وليس للحرب”.
أما بالنسبة لجهة صياغة هذه المبادرة، فكانت المفاجأة الكبرى، فهي لم تكن سوى ترجمة عربية سعودية -دون تغيير أو تدقيق أو اعتبار لحقوق الشعب الفلسطيني- لمقترح قدَّمه الصحافي الأمريكي “توماس فريدمان” إلى الأمير السعودي. وقد أوضح الشرع بقوله: “كان لدي فضول كبير لمعرفة مصدر هذا النص، وكنت أرجح أنه جاء من الأمريكيين وليس الإسرائيليين؛ لأن الإسرائيليين لا يستخدمون كلمة الانسحاب أبدًا في أي وثيقة حتى على سبيل المجاملة الدبلوماسية. لكن من هم الأمريكيون أصحاب المبادرة؟ اكتفيت بسؤال مختصر حول خلو الفقرات من حق اللاجئين الفلسطينيين بالعودة إلى وطنهم، وهو ما كان يجب إضافته للمبادرة”.
قال ولي العهد الأمير عبدالله الذي استفزته أسئلتي، دون أن يفقد هدوءه العام، إن الصحافي توماس فريدمان زاره منذ عدة أسابيع، وتحدث معه مطولًا عن أن العرب لا يبادرون لاستعادة أراضيهم المحتلة، وينتظرون من إسرائيل اتخاذ هذه الخطوة، لكنه أي فريدمان كان متأكدًا أن الإسرائيليين لن يفعلوا ذلك مهما طال الانتظار، حيث لا تقدم الولايات المتحدة على مبادرة إلا بموافقة إسرائيلية، وهذا لن يرضي العرب. لذا، على العرب القيام بالمبادرة دون مزيد من الأوهام.
اقترح فريدمان على ولي العهد السعودي، الذي يؤمن بأن السلام في مصلحة الجميع، بتقديم مشروع مبادرة لا يمكن لإسرائيل رفضها، وأن تلبي الحقوق العربية بحدودها المعقولة، وترى الإدارة الأمريكية فيها مخرجًا من حالة الركود بالمنطقة؛ لأن حروب اليوم تدمر كل شيء، وهي مختلفة عن حروب الأمس التي كانت مصدر انتعاش للتجارة والاقتصاد، كما قال فريدمان لولي العهد.
بعد صمت طويل بيننا وبين الجانب السعودي، قطعه ولي العهد قائلاً إنه لم يقرأ الورقة التي تسلمها من فريدمان، ووضعت في درج المكتب لأنه لم يرد إعطائه ردًا على ما ورد فيها، إذ إن الجواب -كما ذكر ولي العهد- هو من مسؤولية أصحاب الأراضي المحتلة، والمملكة ليس لديها أراضٍ محتلة. ثم طلب من رئيس الديوان أن يترجمها إلى العربية ويعيدها إليه، وأضاف مخاطبًا الرئيس الأسد: أنتم أحرار في القبول أو الرفض أو ما ترونه مناسبًا، فنحن في المملكة يهمنا نجاح قمة بيروت ونجاح مبادرة السلام العربية في المقام الأول.
وفي فقرة أخرى، يستعرض الشرع كيف كان عبدالله بن عبد العزيز متعجلاً لإقرار مبادرته دون أي اهتمام بحق العودة للاجئين الفلسطينيين، حيث قال ولي العهد السعودي له في أحد لقاءاتهم العديدة بعد قمة بيروت: “كله منك، يا أخ فاروق، رفض الأمريكان استقبال الوفد لأنك أصريت على حق العودة”.
ذكر الشرع أن “المبادرة العربية للسلام” ارتبطت بالعاهل السعودي الملك فهد بن عبد العزيز حيث طرحت المبادرة الأولى علنًا في القمة العربية في فاس عام 1982، أما المبادرة الثانية التي نحن بصددها، فقد صدرت في قمة بيروت في مارس 2002 باسم ولي العهد عبدالله بن عبد العزيز آل سعود، مع وجود فاصل زمني يبلغ نحو عشرين عامًا بين المبادرتين، والتي شهدت أحداثًا هامة مثل احتلال العراق للكويت، وانهيار الأنظمة في شرق أوروبا، وتفكك الاتحاد السوفياتي.
رافق القادة العرب قبل وصولهم إلى بيروت للمشاركة في مؤتمر القمة أجواء متوترة في المنطقة؛ حيث استمر القصف الأمريكي الانتقامي على أفغانستان، وكان التصعيد الإعلامي ضد العراق أعلى من أي حديث عن السلام في قاعة مزينة بأعلام الدول العربية. فضلاً عن غياب الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، الذي كان هو المعني أكثر من غيره، كونه سجين المقاطعة بمقر السلطة الفلسطينية، وممنوع من مغادرتها، فكيف يمكنه السفر للمشاركة بالقمة في بيروت التي أُخرج منها تحت الحراب الإسرائيلية عام 1982؟ لم يكن توقيع عرفات على اتفاق إعلان المبادئ في عام 1993 كافيًا فهو كان بالأحرى سجينًا للأرض المملوءة بالحواجز العسكرية والمستوطنات الإسرائيلية.
جاءت لحظة الحقيقة، حيث كان على القادة العرب الاجتماع لاختيار بين السلام والحرب، وتحت تهديد الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن، لم يكن هناك مجال للانتظار لتقارير المفتشين الدوليين حول أسلحة الدمار الشامل في العراق، وقد نسوا الكثير من القادة العرب أن من سيتعامل مع هذه المبادرة هو جورج بوش المشغول بالحرب في أفغانستان، وأريئل شارون الذي احتل بيروت في عام 1982، فكيف سيكون تعامله في عام 2002 وهو يتولى رئاسة الحكومة الإسرائيلية؟
سبق انعقاد قمة بيروت اتصالات وزيارات متعددة إلى دمشق على مستويات مختلفة، وشملت تلك الزيارات ولي العهد السعودي الأمير عبدالله، والملك الأردني عبدالله الثاني، والرئيس المصري محمد حسني مبارك، والرئيس الإيراني محمد خاتمي، وكان الجميع يحاول معرفة ماذا يجري في المنطقة وما قد تؤول إليه قمة بيروت.
لكن اللقاءات الأبرز كانت التي عُقدت في بيروت في مارس، والتي تم خلالها التمهيد لمصالحة مُنتظرة بين الكويت والعراق، حيث تجلت الحماسة السعودية للاتفاق على المبادرة العربية للسلام بمعنى مختلف بعد الهجمات التي وقعت في سبتمبر والتي اتُهم بها بعض مواطنيها.
سافرت مع الرئيس بشار الأسد إلى الرياض في 5 مارس 2002 لمناقشة مشروع المبادرة السلمية مباشرة مع الأمير عبدالله، حيث بدأت الزيارة لقاعة “السلام” بجدة، حيث التقى الرئيس الأسد والملك فهد, وتوجهنا مباشرة لمكتب الأمير عبدالله، حيث تمت مناقشة نص المبادرة الذي تمت ترجمته من الإنجليزية إلى العربية، في حضور الأمير سعود الفيصل. قرأ الرئيس بشار النص بعناية وأعطاه لي لقراءته، فوجدت أنه بحاجة إلى بعض التعديلات، لكن ولي العهد السعودي كان متوترًا وعلق بأن عليهم قبول المبادرة كما هي إن كانوا يريدون استعادة أراضيهم.
سألت مجددًا من أين جاء هذا النص، وكنت أعتقد أنه من الأمريكيين وليس الإسرائيليين، لا سيما أن الإسرائيليين لا يستخدمون كلمة انسحاب في أي وثيقة. كان هناك إغفال ملاحظ لحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة، مما جعلني أتحفظ على النص. تهجم ولي العهد مستنكرًا أسئلتي، لكنني أضفت أنه من المهم إبراز هذا الحق.
تواصل ولي العهد ليؤكد أنه لم يقرأ البند الذي تسلمه من فريدمان، وكان قد وضعه في درج مكتبه عاملاً على عدم إعطائه جوابًا عندها، حيث أكد أن الجواب هو من مسؤولية من يمتلك أراضي محتلة، موضحًا أن المملكة ليس لديها أراضٍ محتلة. وطلب من رئيس الديوان الترجمة إلى العربية، وأكد للرئيس الأسد أنكم أحرار في القرار، فنحن نرغب في نجاح قمة بيروت ونجاح المبادرة العربية.
احتوت المبادرة التي قدمها فريدمان على عيوب عديدة، من أهمها غياب واضح لحق العودة. اقترح ولي العهد أن أنسق مع وزير الخارجية سعود الفيصل للحصول على هذه الموافقة من الجامعة العربية. اجتمعت مع وزراء الخارجية المعنيين لنقاش أهمية حق العودة، حيث سعى الوزراء لتأكيد الالتزام بهذا الحق كجزء من المبادرة.
تغيب الرئيس المصري مبارك عن قمة بيروت بدافع الغضب من السعودية وسورية، لكن وسائل الإعلام اللبنانية لم تحمل على غيابه الكثير، حيث كان ذلك غير مؤثر، رغم وجود شخصيات معروفة مثل كوفي أنان والأمناء العامين من منظمات مختلفة.
كانت كلمة رئيس القمة، الرئيس إميل لحود في الافتتاح، متوقعة وقوية في دفاعها عن المقاومة، ولكنني كنت أتمنى أن تتمكن عرفات من إلقاء كلمته عبر الشاشة. حاولت إقناع لحود بذلك، ولكن قوبلت برفضه.
في فترة الاستراحة، عُقدت لقاءات تنتج الأجواء المصالحة بين الكويت والعراق، حيث ظهرت مشاهد الرجلين عبدالله وصباح الأحمد يرفعان أياديهم كأنما يرفعان راية النصر من قاعة المؤتمر.
عند الاجتماع باللجنة الوزارية الخاصة بمبادرة السلام في مايو 2002، تضاربت همم الوزراء العرب لتحقيق البرنامج، وكان الخطأ الأول هو رفض جورج بوش استقبال الوفد، مما جعل الأمور تتوقف قبل أن تبدأ فعليًا. فالسكون خيم على الجميع لدى سماع هذه الأخبار.
ومع ذلك، استمرت التحركات الدولية والاتصالات لإعادة تحريك المبادرة رغم التحديات، وكان واضحًا أن إدارة بوش لم تعر اهتمامًا للعرب أو للسلام معهم بعد أحداث سبتمبر.
هذه الأحداث تشير بشكل واضح إلى عدم جدية إسرائيل، والمؤشرات من قمة بيروت تكشف عن تجاهلها واستخفافها بالمبادرات العربية، حيث تواصلت الاعتداءات خلال تلك الفترة، مما استدعى إعادة التفكير في الاستراتيجيات العربية تجاه السلام. حيث أستند الفشل إلى العقبات التي وضعتها إسرائيل وإدارة بوش، مما جعل الرؤية للسلام العربي غامضة.
