«الشارع الليبي لا يحتمل المزيد» ليبيا على شفا “ثورة جياع” هل بدأت إرهاصاتها تتكشف

«الشارع الليبي لا يحتمل المزيد» ليبيا على شفا “ثورة جياع” هل بدأت إرهاصاتها تتكشف

بقلم الكاتب عمر السويحلي

الثورات لا تولد من فراغ، ولا تندلع فجأة كما قد يتخيل البعض، إنها نتاج تراكمات طويلة من الإحباط العميق، والتهميش المستمر، وفقدان الأمل، وعلى هذا المنوال قامت ثورة 17 فبراير. في ليبيا اليوم، لم يعد الحديث عن “ثورة الجياع” مجرد افتراض أو مبالغة، بل أصبح سؤالًا واقعيًا يتردد صداه في بيوت الناس وأسواقهم، وإن كان بصوت خافت، فهو يتزايد بوضوح.

تفاؤل عابر وقرارات صادمة

عندما أُغلق ملف الخلاف حول منصب محافظ مصرف ليبيا المركزي، وتم تسمية ناجي عيسى لهذا الموقع الحساس، ساد تفاؤل حذر، لم يكن هذا التفاؤل مبنيًا على الأشخاص بحد ذاتهم، بل كان قائمًا على الأمل في استعادة قدر من الاستقرار المالي والنقدي للبلاد، غير أن هذا الأمل سرعان ما تبدد مع أولى القرارات التي لامست حياة المواطن بشكل مباشر.

إن ما يراه الليبي اليوم هو نمط مقلق ومضطرب من السياسات العقيمة التي تسعى لمعالجة مرض عضال بالتخدير الوهمي، والضحك على الذقون، وذر الرماد في العيون.

إصلاحات اسمية وتأثيرات سلبية

تتمثل هذه السياسات في استبدال ضريبة بأخرى، وخفض في سعر صرف العملة، كل ذلك تحت مسميات “الإصلاح” و”المعالجة”، لكن هذه المصطلحات، مهما بدت مقنعة على الورق، تفقد معناها الحقيقي عندما تنعكس سلبًا ومباشرة على مائدة المواطن، وعلى قدرته الأساسية في شراء الدواء والغذاء، أو سداد الإيجار، أو حتى إكمال الشهر دون اللجوء إلى الاستدانة.

غياب الرؤية الاجتماعية

المشكلة لا تكمن فقط في خفض قيمة الدينار، بل في الغياب التام للرؤية الاجتماعية المصاحبة لمثل هذه القرارات، فالإصلاح النقدي، إن لم يكن متوازنًا مع حماية القوة الشرائية لدخل المواطن، يتحول من أداة علاج إلى عامل ضغط مهلك، وهنا يشعر المواطن أن من يدير السياسة النقدية يتعامل معه وكأنه شخص أبله لا يملك حق الفهم أو حتى الاعتراض.

دروس من تجارب فاشلة

تجارب الدول الاقتصادية الفاشلة من حولنا ليست بعيدة ولا غامضة، فالعراق، ومصر، والسودان، ولبنان، كلها بدأت بإجراءات وصفت حينها بـ”المؤقتة” و”المدروسة”، لكنها انتهت إلى تآكل حاد في القدرة الشرائية للمواطن، وانهيار للطبقة الوسطى على حساب ارتفاع الطبقة الفقيرة، وتوتر اجتماعي طويل الأمد، وليبيا، باقتصادها الريعي واعتمادها شبه الكامل على النفط، ليست بمنأى عن هذا المصير، بل قد تكون أكثر هشاشة وعرضة له.

الغضب الشعبي والفساد المستشري

ما يزيد من حدة الغضب الشعبي هو الإحساس العام بأن الأزمة ليست قدرًا محتومًا، بل هي نتيجة مباشرة للنهب المنظم وسوء الإدارة الفاضح، إجمالي المبلغ الذي أقر مصرف ليبيا المركزي باستلامه من عائدات النفط حتى هذا اليوم من هذا الشهر يؤكد أن خزينة الدولة لم تنهب فقط، بل نُهب النفط من منابعه الأصلية، وهو المورد الوحيد المتبقي للشعب الليبي، حين يرى المواطن ثروته تُسرق وتُستنزف دون أن تعود عليه بخدمات، أو استقرار، أو عدالة، فإن الجوع هنا لا يكون جوع خبز فقط، بل يتحول إلى جوع كرامة وجوع عدالة.

أسئلة تنتظر إجابات

يبقى السؤال الجوهري الذي لم تُقدَّم له إجابة واضحة حتى الآن: هل ستُراجع الحكومتان المرتبات والمنح وعلاوات التقاعد بما يعادل خفض سعر صرف الدولار والضرائب المصاحبة؟ وهل ستُحمى القوة الشرائية للدخل، وكيف سيتم ذلك؟ أم سيُترك المواطن وحيدًا في مواجهة السوق بتقلباته، وهذا هو المتوقع للأسف، بينما يُطلب منه تحمل “التضحيات” ذاتها في كل مرة؟

صبر له حدود

الشعب الليبي شعب صبور، وربما أكثر مما ينبغي، لكنه، ككل الشعوب، لصبره حدود حاسمة، فالثورات لا تبدأ بالشعارات الرنانة ولا بالدعوات العلنية الصاخبة، بل تبدأ عندما يعجز الراتب عن تأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة الكريمة، وعندما تنهار الثقة في أن الغد سيكون أفضل حالًا.

قد لا تكون “ثورة الجياع” قد اندلعت بالفعل بعد، لكن مؤشرات الغضب الاقتصادي والاجتماعي باتت واضحة للعيان، وما لم تُدار السياسة المالية بعقلٍ اجتماعي واعٍ، لا تقني فقط، وما لم تُربط القرارات النقدية بحماية حقيقية ومستدامة لدخل المواطن، فإن الخطر الأكبر لن يكون في الشارع وحده، بل في الانهيار الكامل للثقة بين الدولة ومواطنيها.

رضي الله على من قال: «لو كان الفقرُ رجلًا لقتلته».

وصلى الله على نبينا محمد القائل: “اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْفَقْرِ.” رواه البخاري.