الضمان الاجتماعي في الأردن مفترق طرق بين الاستدامة والعدالة وسط أزمة ثقة

الضمان الاجتماعي في الأردن مفترق طرق بين الاستدامة والعدالة وسط أزمة ثقة

أقرأ نيوز 24 –

بقلم: د. مارسيل جوينات

أثار الحديث عن تعديل قانون الضمان الاجتماعي الأردني جدلاً واسعًا في الأوساط الأردنية، ليس فقط لطبيعة البنود المقترحة، بل لكون الضمان الاجتماعي يمثل آخر معاقل الأمان الاقتصادي للمواطن في ظل الظروف المعيشية الصعبة الراهنة، فالضمان ليس امتيازًا إضافيًا أو مكرمة، بل هو ثمرة سنوات طويلة من الاقتطاعات الشهرية تهدف لتأمين شيخوخة كريمة وحماية من مخاطر العجز والبطالة، وبمعنى أدق، هو شعور بالأمان المالي والاجتماعي بعد بلوغ سن محدد، مما يجعل أي تعديل يمس بحقوق المواطن مصدر قلق مباشر ومشروع.

مبررات التعديلات من وجهة نظر رسمية

تستند الجهات الرسمية، وعلى رأسها المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي، إلى مبررات تتعلق بالاستدامة المالية للنظام، وارتفاع متوسط العمر المتوقع للمواطنين، وتزايد أعداد المتقاعدين مبكرًا مقارنة بعدد المشتركين الفاعلين، ومن حيث المبدأ، فإن أي نظام تأميني يقوم على التكافل يستدعي مراجعات دورية لضمان توازنه المالي، خصوصًا في ظل التحولات الديموغرافية المتسارعة.

أعباء الإصلاح على كاهل المواطن

الإشكالية تكمن في آلية تطبيق التعديلات وتوزيع أعبائها، إذ يشعر غالبية المواطنين أن كلفة الإصلاح تُلقى على عاتقهم وحدهم، في وقت يكفيهم ما يتحملونه من ضغوط اقتصادية أثرت بشكل مباشر على حياتهم اليومية وعلى آمالهم في مستقبل أفضل، مما ينعكس سلبًا على المجتمع بأسره.

اعتراضات الشارع ومخاوفه

تبرز اعتراضات الشارع الأردني على أن التعديلات المقترحة تأتي على حساب المواطن، خاصة فيما يتعلق بتأخير سن التقاعد أو تشديد شروط التقاعد المبكر، بينما لا تظهر إجراءات موازية وواضحة تخفف العبء أو توزع الكلفة بشكل أكثر عدالة بين أصحاب القرار وأصحاب العمل والمشتركين، ولهذا، تتفاقم المخاوف في ظل الارتفاع المستمر لتكاليف المعيشة وتآكل القدرة الشرائية، مما يجعل أي مساس بالضمان الاجتماعي بمثابة تهديد مباشر للأمن الاقتصادي الشخصي والعائلي في المستقبل القريب والبعيد.

مواقف الرفض والمطالبات بالحوار

وقد عبّر مجلس النواب عن رفضه لبعض البنود المقترحة، معتبرًا أن التعديلات تمس الحقوق المكتسبة للمواطنين، كما أبدت بعض الأحزاب السياسية ومؤسسات المجتمع المدني والحقوقيون موقفًا واضحًا، مطالبين بحوار وطني شامل وإشراك جميع الأطراف المعنية في مراجعة التعديلات قبل إقرارها، وقد شددوا على أهمية تقديم الدراسات الاكتوارية والمالية بشفافية تامة، لضمان أن أي إصلاح لا يثقل كاهل المواطن دون معالجة جذرية للخلل المالي في النظام.

رؤية للإصلاح العادل والشامل

من منظور نقدي بناء، الإصلاح ضرورة حتمية لضمان استدامة النظام وحماية أموال المشتركين، لكنه لن ينجح إلا إذا توازنت أهدافه مع مبادئ العدالة الاجتماعية، كان من الممكن أن تترافق التعديلات مع خطوات فعالة مثل توسيع قاعدة الشمول لتشمل العاملين في القطاع غير المنظم، وتحسين إدارة الاستثمارات بفعالية أكبر، وتقديم ضمانات واضحة بعدم المساس بالحقوق المكتسبة، كما يجب أن تسود شفافية كاملة ومدعومة بالحقائق، وأن يُفتح حوار بناء ومثمر لخفض حدة الاحتقان المجتمعي وبناء ثقة مستدامة بين جميع الأطراف.

أزمة ثقة وعقد اجتماعي

إذاً، الجدل حول الضمان الاجتماعي ليس مجرد نقاش مالي أو قانوني بحت، بل هو في جوهره أزمة ثقة عميقة بين الدولة والمواطن، تعكس مدى شعور الناس بالمشاركة في صنع القرار ومدى احترام حقوقهم المكتسبة، إن الإصلاح الناجح يتطلب رؤية متكاملة تجمع بين استدامة النظام المالي، وحماية حقوق المشتركين، والاعتبارات الاقتصادية والاجتماعية للمواطن، بحيث يكون الضمان الاجتماعي عقدًا اجتماعيًا يعكس التزام الدولة بأمان مواطنيها في الحاضر والمستقبل.

وهنا، يبرز التساؤل: ما هو الضمان للمواطن بأن لا تكون هناك تعديلات أخرى بعد عدة سنوات في حال تم إقرار بعض التعديلات المقترحة؟ وهل المؤسسة تستطيع كسب ثقة المواطن مرة أخرى بعد هذه التجربة؟ وما ذنب المواطن في تحمل تبعات قرارات وسياسات سابقة أدت إلى معاناة مؤسسات الضمان الاجتماعي في الوقت الراهن؟