«الضمان الاجتماعي في الأردن: هل الإصلاح يبدأ من جيب المواطن؟»إصلاحات الضمان الاجتماعي في الأردن فاتورة فورية وتساؤلات حول المستقبل

«الضمان الاجتماعي في الأردن: هل الإصلاح يبدأ من جيب المواطن؟»إصلاحات الضمان الاجتماعي في الأردن فاتورة فورية وتساؤلات حول المستقبل

من جديد، يُفتح ملف الضمان الاجتماعي في الأردن بالطريقة نفسها التي اعتادها الناس، حيث تتحدث الحكومة عن “الإصلاح” ويناقش الوزراء “الاستدامة”، بينما يتطرق الخبراء إلى “نقطة التعادل”، ويبقى همُّ المواطن منصباً على سؤال واحد فقط: “أنا ماذا سيحدث لي؟”.

هذا السؤال ليس مجرد حق، بل هو واجب على المواطن الأردني أن يطرحه، فالضمان الاجتماعي ليس ندوة اقتصادية أو تمريناً محاسبياً بحتاً، بل هو ملف يمس صميم حياة الناس، عمرهم، تعبهم، شيخوختهم، وأمان أسرهم. ومع ذلك، يُقدَّم هذا الملف كل مرة وكأنه معادلة تقنية باردة، يُطلب من المواطن أن يوقّع عليها بثقة عمياء، ثم يشكر الجميع على “الإصلاحات” المزعومة.

ردود الفعل الشعبية على تعديلات الضمان الاجتماعي المقترحة

منذ إعلان أبرز ملامح مشروع القانون المعدّل للضمان الاجتماعي لسنة 2026، انفجرت ردود الفعل الشعبية والبرلمانية في الأردن، ليس لأن الناس ضد الإصلاح بحد ذاته كما يُلمَّح أحياناً، بل لأنهم شعروا، مرة أخرى، أن هذا الإصلاح يأتي دائماً من جيبهم، ومن أعصابهم، ومن سنوات عمرهم المديدة. فحين يُقال للناس إن سن التقاعد الوجوبي سيرتفع تدريجياً، وإن عدد الاشتراكات المطلوبة سيرتفع من 180 إلى 240 اشتراكاً، فإن الرسالة الشعبية المباشرة التي تصلهم ليست “تطويراً تشريعياً”، بل هي دعوة صريحة لـ “اعمل أكثر، انتظر أكثر، واطمئن أقل”.

تحديات التقاعد المبكر في الأردن

أما حين يصبح التقاعد المبكر مشروطاً بـ 360 اشتراكاً بصرف النظر عن العمر، فإن كثيرين من المواطنين لا يسمعون عبارة “تنظيم التقاعد المبكر”، بل يسمعون بوضوح أن “باب النجاة يضيق”. هذه التعديلات المقترحة تثير قلقاً واسعاً في أوساط الموظفين والعمال، الذين يرون فيها تقييداً لحريتهم في التخطيط لمستقبلهم المهني والتقاعدي.

الضمان الاجتماعي الأردني: رؤى متباينة حول الإصلاحات

اللغة الرسمية، كعادتها، تتسم بالأناقة والإقناع على الورق، لكنها تبدو بعيدة عن الواقع المعيشي للمواطن الأردني. تتلخص الرؤى الرسمية في أهداف طموحة، بينما تتجلى انعكاساتها على المواطن في تحديات يومية ملموسة.

المنظور الرسمي (الأهداف المعلنة)الواقع المعيشي (تأثيرها على المواطن)
استدامة مالية.عبء إضافي على دخل الفرد وقدرته الشرائية.
إبعاد نقطة التعادل من 2030 إلى 2042.عمل أطول، انتظار متزايد للحقوق، أمان أقل للمستقبل.
معالجة اختلالات التقاعد المبكر.تضييق الخيارات للبعض، صعوبة في الخروج من سوق العمل المنهك.
رفع الحد الأدنى لبعض الرواتب التقاعدية إلى 200 دينار.لا يوازن الزيادات المستمرة في تكاليف المعيشة مثل الإيجار وفواتير الكهرباء والدواء.

كل ذلك يبدو جميلاً في العرض النظري، لكن المشكلة الحقيقية تكمن في أن المواطن الأردني لم يعد يعيش في عالم “العروض” والخطابات، هو يعيش في السوق، في مواجهة الإيجار المتصاعد، في فاتورة الكهرباء المرتفعة، في كلفة الدواء الباهظة، وفي الخوف الدائم من المستقبل الغامض. لذلك، لا يسمع الأرقام والإحصائيات كما تسمعها المكاتب الرسمية، بل كما تترجمها قسوة الحياة اليومية ومعاناة العيش.

أزمة الثقة وإدارة الملفات العامة

التهكم الواضح الذي يصدر من الشارع ليس تجنياً أو ترفاً، بل هو انعكاس طبيعي وواقعي لحال الناس، لأنهم يسمعون منذ سنوات العبارة نفسها تقريباً: “الإصلاح ضرورة حتمية”. ثم يكتشفون أن هذه الضرورة تأتي دائماً متأخرة جداً، ومصحوبة بقلق مجتمعي واسع النطاق، ومحمّلة بكلفة اجتماعية عالية يدفعونها من جيوبهم ومستقبلهم. يبدو وكأن إدارة الملفات العامة في الأردن تقوم على قاعدة ثابتة ومستمرة: “دع الأزمة تكبر أولاً، ثم قدّمها للمواطن كواجب وطني مقدس لا مفر منه”.

رسائل خفية تُقوّض الثقة المجتمعية

الأخطر من التعديلات نفسها هو الرسالة الخفية التي تتسلل إلى الناس من طريقة إدارتها والتعامل معها، وهي رسالة مفادها:

  • أن الملفات الكبرى لا تُفتح إلا بعد أن تضيق الخيارات تماماً وتصبح محدودة للغاية.
  • أن الشفافية تصل متأخرة جداً، بعد فوات الأوان وبعد اتخاذ القرارات الجوهرية.
  • وأن المواطن هو آخر من يعرف التفاصيل الدقيقة وأول من يُطلب منه التحمّل والتضحية.

وهنا يصبح الموضوع سياسياً بقدر ما هو اجتماعي واقتصادي، لأن الضمان الاجتماعي ليس مجرد مؤسسة تصرف رواتب تقاعدية فحسب، بل هو أحد أعمدة الثقة الأساسية بين الدولة والمجتمع. وإذا شعر الناس أن هذه الثقة تُدار بلغة فوقية، أو بمعادلة “تحمّلوا الآن وسنشرح لكم لاحقاً”، فإن الضرر لا يبقى محصوراً داخل ملف الضمان الاجتماعي، بل يتمدد ليمتد ويشوه صورة الدولة نفسها في الوعي العام وفي أذهان المواطنين.

التداعيات الاجتماعية والسياسية لإصلاحات الضمان

اجتماعياً، فإن أثر هذه التعديلات لا يقف عند الفرد المعني مباشرة بها، بل يدخل كل بيت وكل أسرة أردنية، فتأخير سن التقاعد يعني تأخير خطط عائلات كاملة كانت تعتمد على موعد تقاعد معين، وتأجيل التزامات مالية واجتماعية، وإرباك حسابات الأسر المستقبلية، وزيادة الضغط النفسي الهائل على من يعملون أصلاً في ظروف اقتصادية صعبة ومرهقة. كما أن تشديد شروط التقاعد المبكر يعني أن فئات كثيرة من المجتمع، خصوصاً من أنهكتهم المهن الشاقة والمتعبة أو من يعانون من سوق العمل غير المستقرة، ستشعر أن سنوات العمل تطول أمامهم بينما يتراجع شعورهم بالأمان الاجتماعي والاقتصادي.

أما سياسياً، فالخسارة الأكبر قد لا تكون محصورة في الجدل الحالي الدائر فقط، بل في تآكل الثقة بفكرة الإصلاح نفسها. فعندما يترسخ لدى الناس أن كل “إصلاح” حكومي يعني عملياً تحميلهم المزيد والمزيد من الأعباء والمسؤوليات، يصبح أي إصلاح لاحق، مهما كان ضرورياً وملحاً لمصلحة الوطن والمواطن، موضع شك ورفض مسبق من قبلهم. وهنا نكون قد خسرنا أخطر ما تحتاجه الدولة في إدارة الملفات الكبرى والحساسة: وهو القبول المجتمعي الواسع والتأييد الشعبي للإصلاحات.

نحو إصلاح حقيقي وعادل للضمان الاجتماعي

لا أحد يرفض الاستدامة المالية لمؤسسة الضمان الاجتماعي من حيث المبدأ، ولا أحد ينكر خطورة التوسع غير المدروس في التقاعد المبكر إذا كان يهدد التوازن المالي للمؤسسة على المدى الطويل، مما قد يعرضها لخطر الإفلاس. لكن الناس تريد أن ترى إصلاحاً حقيقياً وشاملاً لا يقتصر على مجرد إعادة توزيع للضغط والأعباء على كاهلهم. إنهم يريدون شفافية كاملة في إدارة ملف الضمان الاجتماعي، ونقاشاً مجتمعياً مبكراً وموسّعاً يشارك فيه الجميع، وعدالة واضحة في توزيع الكلفة بين جميع الأطراف المعنية، ومصارحة صريحة تقول بوضوح من أوصل الملف إلى هذه المرحلة الحرجة، بدلاً من الاكتفاء بعبارات مطمئنة سطحية لا تُسكن قلقاً مشروعاً ولا تبني ثقة مفقودة.

الامتحان الحقيقي: الشارع الأردني

في النهاية، قد تنجح الحكومة في تحسين المعادلات والأرقام على الورق، وقد تتمكن من تأخير نقطة التعادل لسنوات إضافية، لكن الامتحان الحقيقي والفيصل ليس فقط في دفاتر مؤسسة الضمان الاجتماعي وميزانياتها، بل في الشارع الأردني نفسه، وفي وعي المواطن وثقته بمستقبله ومستقبل أبنائه.

لأن السؤال الجوهري الذي يطرحه الناس اليوم ليس تقنياً على الإطلاق، بل يلامس عمق وجودهم ومستقبلهم بشكل مباشر:

  • هل هذا إصلاح يحميهم فعلاً ويصون حقوقهم ويضمن لهم حياة كريمة؟
  • أم إصلاح يطلب منهم أن يدفعوا الثمن غالياً ثم يصفقوا صامتين على ما فُرض عليهم؟