
في مبادرة تعكس الاهتمام البالغ بالتراث الإسلامي والعمراني بالمملكة العربية السعودية، خضع مسجد المسقي الأثري بمنطقة عسير لعملية تطوير شاملة وتأهيل دقيق، ضمن إطار المرحلة الثانية من مشروع الأمير محمد بن سلمان الطموح لتطوير المساجد التاريخية، يهدف هذا المشروع الرائد إلى إحياء أحد أقدم المعالم التاريخية في المنطقة، بدمج متناغم بين عراقة الماضي وابتكارات الحاضر.
عمق تاريخي لأكثر من ثلاثة عشر قرناً
يتمتع مسجد المسقي بمكانة استثنائية ضمن السجل التاريخي لمنطقة عسير، فالمصادر الموثوقة تؤكد أن تأسيسه يعود إلى الحقبة الأموية، وتحديدًا بين عامي 73هـ و75هـ (692م – 694م)، هذا الإرث العريق يجعله من أقدم المساجد ليس فقط في عسير، بل في شبه الجزيرة العربية بأكملها، وقد أشار المؤرخ والرحالة البارز “الهمداني” إليه في مؤلفه المرجعي “صفة جزيرة العرب”، واصفًا القرية بأنها “قرية كبيرة ذات مسجد جامع”، مما يبرز دور المسجد المحوري كمركز حضاري واجتماعي حيوي منذ عصور مبكرة، ونقطة التقاء لسكان القرى المجاورة لأداء الصلاة، وحل النزاعات، ومناقشة القضايا العامة.
طراز السراة: روعة العمارة المحلية
شهد المسجد عملية ترميم شاملة التزمت بأدق التفاصيل المعمارية لـ “طراز السراة”، النمط المعماري المميز لمرتفعات عسير، يتميز هذا الطراز بقدرته الفائقة على التلاؤم مع التحديات المناخية القاسية والتضاريس الجبلية الوعرة، وقد اعتمدت عملية البناء على الأحجار الطبيعية الصلبة المستخرجة من الجبال المحيطة، إضافة إلى استخدام خشب العرعر المعروف بمتانته ومقاومته العالية للرطوبة والأمطار في الأسقف والأبواب والنوافذ، كما تتسم جدران المسجد بسماكتها الكبيرة التي تعمل كعازل حراري طبيعي، موفرة الدفء خلال الشتاء والبرودة في الصيف، مما يعكس بوضوح عبقرية الإنسان العسيري في استغلال الموارد الطبيعية لخدمة فن العمارة.
رؤية وطنية لحماية الهوية
لا يقتصر مشروع تطوير مسجد المسقي على الجانب الإنشائي فقط، بل يندرج ضمن استراتيجية وطنية أوسع ضمن رؤية المملكة 2030، التي تولي أهمية قصوى للمواقع التراثية، ويسعى مشروع الأمير محمد بن سلمان لتطوير المساجد التاريخية إلى استعادة مكانة هذه المعالم، كونها جزءًا جوهريًا من الهوية الثقافية السعودية، فضلاً عن تعزيز السياحة الدينية والثقافية، وضمان الحفاظ على هذه الصروح للأجيال القادمة.
المسجد بحلته المتجددة
يقع المسجد إلى الشرق من قرية المسقي التابعة لمدينة أبها، على مسافة تقارب 32 كيلومترًا، وقد بلغت مساحته بعد التطوير 409.25 متر مربع، مع قدرة استيعابية تصل إلى 156 مصليًا، تم تجهيزه بجميع المرافق الحديثة التي تضمن راحة المصلين وخشوعهم، مع الحرص التام على الاحتفاظ بروحه التراثية وخصائصه المعمارية الأصيلة، ليعود بذلك منارة إيمانية تشع بالنور وتصدح بالأذان، كما كان على مدى قرون مضت.
