العُلا والنمر العربي: تاريخٌ محفورٌ بالنقوش، ومستقبلٌ ترسمه جهود الصون

العُلا والنمر العربي: تاريخٌ محفورٌ بالنقوش، ومستقبلٌ ترسمه جهود الصون

تتمتع محافظة العلا، ذات التاريخ العريق، بعلاقة أصيلة ومتجذرة مع النمر العربي تمتد لآلاف السنين، وقد جسدت هذه العلاقة نقوش صخرية عتيقة تنتشر في جبال العلا ووديانها، لتعكس الحضور البارز لهذا الكائن المهيب كجزء لا يتجزأ من بيئة المنطقة الطبيعية وهويتها الثقافية، ورمزاً حياً للتوازن البيئي في شبه الجزيرة العربية.

قد يهمّك أيضاً

ولي عهد بريطانيا يصل إلى محافظة العلا

السعودية تستضيف مؤتمر العُلا لاقتصادات الأسواق الناشئة الأحد القادم

النمر العربي: أيقونة مهددة بالانقراض

يُصنّف النمر العربي اليوم كأحد أكثر الأنواع المعرضة لخطر الانقراض الشديد عالمياً، فقد أدرجه الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة (IUCN) ضمن الكائنات المهددة، وذلك نتيجة لتحديات متزايدة ومعقدة، شملت التوسع العمراني والزراعي غير المنظم، والإفراط في الرعي، والصيد الجائر، بالإضافة إلى الاتجار غير المشروع بالحياة الفطرية.

جهود العلا لصون النمر العربي

امتداداً لهذه العلاقة التاريخية الأصيلة، تضطلع الهيئة الملكية لمحافظة العلا بجهود شاملة ومتكاملة لحماية النمر العربي وصون موائله الطبيعية، وذلك عبر برامج علمية وميدانية متطورة، تسعى بجدية لاستعادة التوازن البيئي وضمان استمرارية هذا النوع الفريد والنادر.

مركز إكثار النمر العربي: ريادة عالمية

يتصدر هذه الجهود الحثيثة مركز إكثار وصون النمر العربي، والذي يُعد حالياً المرفق النشط الوحيد على مستوى العالم المتخصص في تكاثر هذا النوع بهدف حمايته والحفاظ عليه، ومنذ بدء المركز لعملياته في عام 2020م، حققت برامجه نجاحات باهرة تمثلت في مضاعفة أعداد النمور، ضمن بيئة تخضع لأدق وأعلى المعايير العلمية الصارمة، مما يعكس فعالية النهج المتبع في الإكثار والصون.

ولادات تاريخية تعزز الأمل

وفي ديسمبر 2024، أُعلن عن إنجازٍ بارز تمثل في تسجيل ثالث حالة ولادة موثقة للنمر العربي خلال الثلاثين عاماً الماضية، وهي الأولى من نوعها تحت الرعاية داخل المملكة العربية السعودية، وقد جاءت هذه الولادة المباركة بعد أن أنجب الزوجان “ورد” و”باهر” ثلاثة أشبالٍ في يونيو من العام ذاته، ذكرين وأنثى، ما يمثل بصيص أمل حقيقي لمستقبل هذا النوع المهدد بالانقراض.

مشروع إعادة تأهيل الحياة البرية: رؤية لمستقبل مزدهر

يبرز مشروع إعادة تأهيل الحياة البرية في العلا كمنارة أمل حقيقية لعودة النمر العربي إلى موائله الطبيعية، ولتحقيق ازدهار بيئي شامل في المنطقة بأسرها، حيث تسهم نتائجه المثمرة في استعادة الغطاء النباتي الغني، ودعم أعداد الفرائس الطبيعية، وتهيئة منظومة بيئية متكاملة ومرنة تمكن الحياة البرية من التعايش المستدام والمتناغم مع الوجود البشري.

اليوم العالمي للنمر العربي وحملة “رحلة أمل”

يُحتفل باليوم العالمي للنمر العربي سنوياً في العاشر من فبراير، حيث يُسلّط هذا اليوم الضوء على الوضع الحرج لهذا النوع المهدد بالانقراض، ويؤكد الحاجة الماسة لتعزيز الجهود الوطنية والدولية الرامية إلى حمايته، واحتفاءً بهذه المناسبة، أطلقت الهيئة الملكية لمحافظة العلا حملة “رحلة أمل” الطموحة، والتي تهدف إلى رفع مستوى الوعي المجتمعي بأهمية جهود حماية النمر العربي، وإشراك سكان العلا وأهلها الكرام في هذه المسيرة النبيلة للحفاظ عليه.

مبادرات الحملة: شراكة مجتمعية وعالمية

تتضمن حملة “رحلة أمل” مجموعة واسعة من المبادرات الميدانية المبتكرة، أبرزها “دروب النمر العربي” التي تُنفّذ بالتعاون مع نادي العلا، بالإضافة إلى تنظيم جلسات توعوية عامة ومكثفة، تهدف إلى إبراز الدور الحيوي الذي يمكن أن يلعبه الأفراد في حماية النمر العربي وصون البيئة الطبيعية، وتعزيز مبادئ التعايش المتوازن بين الإنسان والطبيعة، فضلاً عن إطلاق مبادرات توعوية تصل إلى المستوى الدولي، عبر شراكات استراتيجية مع مؤسسات بيئية عالمية رائدة.

التزام العلا: إرث حيوي ومستقبل مستدام

تؤكد الهيئة الملكية لمحافظة العلا، من خلال مجمل هذه الجهود المتكاملة والمستمرة، التزامها الراسخ والثابت بحماية النمر العربي، بوصفه ليس مجرد رمز للتنوع الحيوي في المنطقة، بل جزءاً أصيلاً من هويتها، ويندرج هذا الالتزام ضمن رؤية استراتيجية شاملة لا تقتصر على مجرد الحفاظ على الأنواع المهددة بالانقراض، بل تتجاوز ذلك لتشمل استعادة البيئة الطبيعية برمتها، وبناء منظومة بيئية متناغمة ومستدامة، تزدهر فيها الحياة البرية جنباً إلى جنب مع المجتمعات البشرية، لتبقى العلا بذلك شاهدة حية على التقاء إرثٍ تاريخي عريق برؤية بيئية حديثة وطموحة تصون المستقبل للأجيال القادمة.