
لقد كشفت الجلسة الحكومية الأخيرة بوضوح عن نمط متكرر من التكتيكات المراوغة، حيث تُمرّر القرارات بسرعة في يوم ما، لتُؤجَّل مواجهة تداعياتها الحقيقية والمرة إلى المستقبل القريب.
الفخ الأول: الضريبة كحلّ سهل، وتطويع القانون ليناسب القرار
لاستيعاب مجريات الأمور، لا بد من استعراض تسلسل الأحداث بدءاً من أيار 2025، حين قامت الحكومة برفع أسعار المحروقات، مستندة إلى اقتراح من وزارة المالية اللبنانية، وذلك بعد انتهاء صلاحية التفويض القانوني الذي يخولها إصدار التشريعات الجمركية، ولهذا السبب تحديداً، لم يصمد القرار طويلاً، فقد ألغته مراجعة قضائية تقدم بها حزب “القوات اللبنانية” بالتعاون مع رئيس اتحاد النقابات السياحية ونقيب أصحاب الفنادق بيار الأشقر، ونقيب أصحاب المطاعم والمقاهي والملاهي و “الباتيسري” في لبنان طوني الرامي، لتصدر النتيجة بقرار من مجلس شورى الدولة بوقف التنفيذ، الأمر الذي اضطر الحكومة للتراجع عن قرارها.
ولكن بدلاً من أن تُعتبر هذه السابقة درساً مستفاداً، تحوّلت إلى نموذج يُحتذى به، فمنذ ذلك الحين وحتى شباط 2026، لم تُبذل أي جهود إصلاحية حقيقية لتمويل زيادة رواتب العسكريين والمدنيين في القطاع العام، بل عاد الخيار ذاته إلى الواجهة: رفع سعر البنزين، هذه المرة بقيمة تناهز ضعف الزيادة السابقة، مع استثناء وقود المازوت.
| الزيادة في سعر البنزين | التاريخ | ملاحظات |
|---|---|---|
| الزيادة السابقة | أيار 2025 | قرار لم يصمد أمام المراجعة القضائية، ألغي لانتهاء صلاحية التفويض الجمركي. |
| الزيادة الحالية | شباط 2026 | تساوي ضعف الزيادة السابقة تقريباً، مع استثناء المازوت، وتستند لغطاء قانوني مُعدّل. |
ولأن العائق القانوني كان واضحاً ومعروفاً، لم يتم البحث عن حلول مالية بديلة، بل عن غطاء قانوني لتجاوزه، وللتذكير، خلال جلسة إقرار موازنة عام 2026، أُدرجت مادة تقضي بمنح الحكومة صلاحية التشريع الجمركي، بناءً على اقتراح من نائب في “حركة أمل”، وقد تم التصديق عليها وسط “الهرج والمرج” المعتاد في أروقة مجلس النواب، وبذلك، تحولت الزيادة التي كانت غير قانونية بالأمس، إلى إجراء مشروع اليوم، وهكذا، لم يتم تعديل القرار ليتماشى مع القانون، بل تم تعديل القانون ليناسب القرار.
وفي جلسة الحكومة الأخيرة، تبلور المشهد بشكل كامل، فقد اقترح وزير المال ياسين جابر الزيادة، وحظي الاقتراح بتصويت مؤيد من وزراء محسوبين على رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة و “الحزب التقدمي الاشتراكي” و “حركة أمل”، بينما اعترض وزراء “القوات اللبنانية” ووزير الإعلام بول مرقص، وأبدى وزيرا “حزب اللّه” تحفظهما، في حين كان وزير “الكتائب” غائباً عن مناقشة هذا البند الحيوي.
لكن التناقض الأكبر لم يقتصر على التصويت الحكومي وحسب، بل امتد ليشمل المشهد النيابي، فقد أعلن نواب “حركة أمل” رفضهم الصريح للقرار، بينما صوّت وزيراهم لصالح الاقتراح ودافع عنه وزير المال ياسين جابر شخصياً، ويضاف إلى ذلك، أن مواقف الكتل تشير إلى أن ما لا يقل عن 79 نائباً سيعارضون إضافة الضريبة على القيمة المضافة (TVA)، وهو قرار يتطلب تشريعاً برلمانياً ولا يمكن أن يصبح سارياً بدونه.
وهنا يتجلى الفخ بجلاء: قرار يتم تمريره على مستوى الحكومة مع علم مسبق بصعوبة إقراره في البرلمان، حيث تُفرض زيادة على البنزين لا تكفي بحد ذاتها لتمويل الرواتب، وقد يُرفض تعديل ضريبة القيمة المضافة (TVA) في المجلس النيابي، مما يعني عدم تأمين الإيرادات الكافية لتمويل الرواتب، وبالتالي دفع الشارع نحو مزيد من الاحتقان، كل هذا يحدث في ظل غياب حل مالي حقيقي في الأفق، وبهذه الطريقة لا تُعالج الأزمة، بل تُرحّل المسؤولية من جهة إلى أخرى، مما يخدم مصالح فريق معين يسعى لضرب الاستقرار الحكومي وتعطيل الاستحقاقات الدستورية.
الفخ الثاني: مهلة حصر السلاح، خطوة متقدمة مشروطة “بحسب الظروف”
في ظاهره، يبدو إقرار مهلة زمنية لحصر السلاح خطوة إيجابية ومتقدمة، فخلافاً للتوقعات المتشائمة، أعلنت الحكومة عن جدول زمني واضح يمتد لأربعة أشهر، قابلة للتمديد إلى ثمانية، لإنجاز المرحلة الثانية من حصر السلاح شمال الليطاني، وتحديداً في المنطقة الممتدة بين نهر الليطاني ونهر الأولي، غير أن التفاصيل تكشف أن هذه المهلة قد تكون مشروطة، فعند سؤال وزير الإعلام عن مدى جدية التنفيذ، كانت إجابته: “إذا استوفيت الظروف نفسها التي استوفيت في جنوب الليطاني”، وقد سارع “فريق الممانعة” إلى استغلال هذه العبارة، معتبراً أن ما جرى جنوب الليطاني كان نتيجة تعاون “حزب اللّه” وقبوله تسليم السلاح في تلك البقعة الجغرافية، بينما تختلف المعطيات شمال الليطاني، حيث لا يزال “الحزب” يعلن رفضه تسليم السلاح في هذه المنطقة، هذا الموقف تجلى بوضوح في خطاب أمينه العام الشيخ نعيم قاسم، الذي تزامن مع جلسة مجلس الوزراء، واصفاً فيه تركيز الحكومة على قرار حصر السلاح بأنه “خطيئة ترتكبها”.
صحيح أن مصادر “نداء الوطن” أفادت بأن أياً من الوزراء لم يتطرق لذكر قاسم أو مواقفه خلال الجلسة، وهو ما قد يُفسّر كمؤشر على تمسك الحكومة بقرارها الصادر في 5 آب الماضي، وعدم ربطها بآراء “حزب اللّه”، إلا أن تضمين عبارات غامضة تسمح بتمييع آليات التنفيذ وتبرير أي تقصير مستقبلي، يثير تساؤلات جدية حول مدى قوة وصلابة القرار بحد ذاته.
في هذا التوقيت الحرج، وقبل أيام قليلة من مؤتمر دعم الجيش، تبدو الحكومة حريصة على تقديم صورة حازمة أمام المجتمع الدولي، خصوصاً الدول المعنية مباشرة بدعم المؤسسة العسكرية، كالمملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأميركية، ومع ذلك، فإن قوة الموقف لا تُقاس بمجرد الإعلان، بل بمدى وضوح آليات التنفيذ العملية.
في المحصلة، يتبين أن الحكومة، في الملفين المالي والأمني، تمتلك نوايا إيجابية، بيد أن النوايا الحسنة وحدها لا تكفي لمعالجة الأزمة من جذورها، بل تقتصر على إدارتها فقط، لا أكثر ولا أقل.
- مالياً، كان الأجدر بوزير المال أن يتصدى بجرأة لمواطن الخلل الفعلية، ومنها على سبيل المثال لا الحصر، التوظيف العشوائي، والتضخم الهائل في القطاع العام، وغياب إعادة الهيكلة الجدية، حتى لو اصطدم ذلك بالقوى السياسية النافذة، فالإصلاح الجذري لهذه المشكلات يبقى أقل كلفة بكثير من فرض أعباء إضافية على المواطنين عبر ضرائب غير عادلة.
- أمنياً، يبقى الوضوح الخيار الأمثل والأقوى، فقول الحقيقة كما هي، بتبني موقف صريح وخطة عمل غير مشروطة، كفيل بتعزيز الثقة على الصعيدين الداخلي والخارجي، فالمنطقة تشهد تحركات متسارعة، وقطار التحولات فيها لا ينتظر أحداً، وكل يوم من التأخير، وكل عبارة ملتبسة، لا يؤديان فقط إلى إرباك داخلي، بل يكبدان لبنان خسارة فرص استثمارية قيّمة كان من شأنها أن تشكل مدخلاً حقيقياً للنهوض المالي، فلو اتُخذت القرارات الحاسمة منذ البداية، لما اضطرت الدولة اليوم للبحث في جيوب مواطنيها لتمويل رواتبها، ولكان لبنان قد انطلق مبكراً في مسار استعادة الثقة وجذب الاستثمارات.
لكن الفارق جوهري بين مجرد إدارة الأزمة وحلها الفعلي، فالأول يتطلب حسابات وتدابير مرحلية، بينما الثاني يستلزم قراراً حازماً، أو كما يُقال بالعامية اللبنانية، يحتاج إلى “رِكَب” (عزيمة وقوة).
