المرسى دراما سعودية كبرى تغوص في أعماق أزمات الأسرة العربية

المرسى دراما سعودية كبرى تغوص في أعماق أزمات الأسرة العربية

Published On 6/2/2026

آخر تحديث: 20:30 (توقيت مكة)

انقر هنا للمشاركة على وسائل التواصل الاجتماعي

برز مسلسل “المرسى” كواحد من أهم الأعمال الدرامية السعودية التي أثارت نقاشًا واسعًا منذ بدء عرضه، ويعود هذا الجدل إلى عدة أسباب، ليس فقط بسبب طوله الذي يتجاوز الثمانين حلقة حتى الآن، بل وأيضًا لطبيعة القضايا الجريئة التي يتناولها بأسلوب لافت ضمن سياق درامي عائلي متماسك.

المسلسل من إخراج فكرت قاضي، ويشارك في بطولته نخبة من نجوم الدراما السعودية، منهم ميلا الزهراني، عائشة كاي، أصايل محمد، سارة الحربي، وخالد البريكي، بالإضافة إلى آخرين، مما يضيف للعمل قيمة فنية عالية.

اقرأ أيضًا

الاقتباس وتغيير الهوية، لا مجرد نقل

يندرج مسلسل “المرسى” ضمن سلسلة طويلة من الأعمال الدرامية العربية التي استلهمت قصصها من الدراما التركية، وهو تحديدًا مقتبس من المسلسل التركي الشهير “على مر الزمان”، الذي يُعد واحدًا من أنجح المسلسلات العائلية الطويلة، وقد حظي بشعبية واسعة بعد دبلجته وعرضه في العالم العربي.

لم يأتِ هذا الاختيار الإنتاجي صدفة، بل هو جزء من سياق أوسع شهد في السنوات الأخيرة تزايدًا في الاعتماد على النصوص التركية، كونها تمثل ضمانة لجذب الجمهور وتحقيق نسب مشاهدة عالية لأعمال تمتد لعشرات الحلقات، ويُعتبر “المرسى” استكمالًا لهذه التجربة العربية المتكررة في تعريب الأعمال التركية الناجحة، سواء في لبنان أو منطقة الخليج، مع تباين في مدى التكييف المحلي والقدرة على إعادة إنتاج النص بما يتناسب مع الخصوصية الثقافية والاجتماعية لكل بلد.

يتشارك كل من مسلسل “المرسى” والعمل التركي الأصلي في الفكرة الدرامية المحورية، وهي تفكك الأسرة جراء غياب الأب وخيانته، وما يترتب على ذلك من تداعيات نفسية وعاطفية طويلة المدى، ففي “المرسى”، يعود القبطان سلطان، الذي يجسده الفنان عبد المحسن النمر، إلى المملكة العربية السعودية بعد فترة غياب طويلة، ليجد نفسه مجبرًا على اتخاذ قرار حاسم أجّله لعامين، قرار الاختيار بين زوجته خولة، التي تؤدي دورها عائشة كاي، وعائلته المكونة من أربعة أبناء وبنات من جهة، وبين حبيبته الشابة نوال، التي تجسدها ميلا الزهراني، والتي تطالبه بطلاق زوجته الأولى والزواج منها.

إن أحد أهم مقومات الاقتباس الناجح لا يقتصر على مجرد نقل الخط الدرامي الأساسي إلى لغة أخرى، وإلا لكان الاكتفاء بالترجمة أو الدبلجة كافيًا، بل يكمن جوهر النجاح في إعادة زرع الصراع داخل بيئة اجتماعية مختلفة، مع مراعاة دقيقة للقيم، والعلاقات، والبنى الاجتماعية الخاصة بذلك المجتمع الجديد.

في هذا السياق، يُحسب لمسلسل “المرسى” نجاحه الكبير في تكييف القصة لتتناسب مع البيئة السعودية، وذلك من خلال توسيع دائرة الصراع لتشمل أطرافًا لم تكن بنفس الفاعلية في النسخة التركية، فالعائلة هنا لا تقتصر على الزوجة والأبناء فحسب، بل يبرز دور الجدة أم سلطان، التي تجسدها أسمهان توفيق، كقوة أخلاقية وعاطفية مؤثرة في اتخاذ القرارات، مما يعكس الأهمية الكبيرة للعائلة الممتدة في المجتمع السعودي.

كما يطرح المسلسل بإتقان إشكالية نظرة المجتمع إلى قرار الرجل بطلاق زوجته الأولى والزواج من أخرى، وما ينتج عن ذلك من أحكام اجتماعية وضغوط معنوية، مقابل الخيار الأكثر قبولًا للزواج الثاني دون طلاق، هذا البعد الاجتماعي الأصيل هو ما يمنح “المرسى” خصوصيته الثقافية اللافتة.

جرأة في تناول القضايا العائلية

بالإضافة إلى التكييف الثقافي المتقن، يقدم مسلسل “المرسى” جرأة وواقعية لافتة في معالجته للمشكلات الأسرية، خصوصًا في طريقة تفكيكه للصورة النمطية للأب كمركز للسلطة داخل العائلة، فالمسلسل لا يكتفي بعرض غياب سلطان كحدث واقعي قد يمر به الكثير من الأسر، بل يتعمق في تسليط الضوء على آثاره العميقة والممتدة على الأبناء، كاشفًا حجم الفراغ العاطفي والارتباك الذي يخلفه هذا الغياب، حتى لو كان مبررًا بالعمل أو السفر.

وبذلك، لا يقدم “المرسى” الأب كضحية لظروفه القاسية، بل يظهره كشخصية مليئة بالعيوب والتناقضات، سواء في أنانيته العاطفية وتخليه عن أسرته، أو في لجوئه إلى العنف كوسيلة للسيطرة، وهي ممارسات طالما جرى التساهل معها في سياقات درامية أخرى، واعتبارها جزءًا من “الهيبة الأبوية”، هنا، على النقيض، يتعامل المسلسل مع هذه السلوكيات بوصفها إشكالية حقيقية، ويكشف عن تأثيرها السلبي المدمر على الأبناء وعلى تماسك نسيج الأسرة.

يتجلى هذا في شخصية الابن زياد، الذي يؤدي دوره عزام النمري، وهو شخص عصبي وغير قادر على التكيف اجتماعيًا، نتيجة لنقص ثقته بنفسه بسبب التعنيف المستمر من والده، أو الابنة زينة، التي تجسدها سارة الحربي، والتي تنفر من والدها بشكل واضح بسبب تصرفاته، وتقرر أن تصبح محامية لتدافع عن المظلومين الذين ترى فيهم انعكاسات لوالدتها وإخوتها، وكذلك الأخت نغم، من تمثيل أصايل محمد، الشخصية المتلاعبة التي ترى في أسلوبها وسيلة للنجاة وعدم الوقوع في مصير والدتها المستضعفة أو المهجورة.

على الجانب الآخر، لا تقل شخصية الأم خولة أهمية، فهي تُعد أحد الأعمدة الرئيسية لهذا التفكيك الواقعي لبنية الأسرة، حيث يبتعد المسلسل عن تصوير الأم النمطية المستسلمة أو الهشة التي تكتفي بدور الضحية الصامتة، فبالرغم من تمسكها بزوجها في البداية ومحاولتها المستميتة للحفاظ على كيان الأسرة مهما كان الثمن، إلا أن هذا التمسك لا يُقدم على أنه ضعف، بل هو خيار واعٍ نابع من قوتها، ومع تصاعد الصراع، تتطور الشخصية لتتحول إلى خط الدفاع الأول عن أبنائها، مما يمنحها عمقًا إنسانيًا بالغًا، ويجعلها قريبة من نماذج نسائية واقعية متعددة الأوجه.

غير أن مسلسل “المرسى” لا يسلم من الوقوع في أحد أبرز فخاخ المسلسلات الطويلة والشائعة، وهو فخ التطويل المفرط وتكاثر الخطوط الدرامية المتشابكة، فبحكم انتمائه إلى هذا النوع من المسلسلات التي تتجاوز عشرات الحلقات، يجد العمل نفسه مضطرًا إلى إطالة أمد بعض الصراعات، وإعادة تدوير مواقف بعينها، وفتح مسارات درامية فرعية قد لا تضيف قيمة جوهرية إلى المسار الرئيسي للقصة، وهو ما يجعله عملًا مناسبًا للجمهور المعتاد على المتابعة الطويلة والصبر على تطور الأحداث ببطء، لكنه قد يكون أقل جاذبية للمشاهدين الذين يفضلون السرد المكثف والإيقاع السريع.

في الختام، يقدم مسلسل “المرسى” تجربة درامية عائلية طموحة، تسعى جاهدة للموازنة بين متطلبات المسلسلات الطويلة ومعالجة قضايا تفكك الأسرة المعقدة، وبينما ينجح المسلسل بامتياز في تكييف نصه المقتبس ليناسب البيئة السعودية، فإن امتداده لعدد كبير من الحلقات يظل سلاحًا ذا حدين، يمنحه مساحة كافية للتعمق في العلاقات الإنسانية والشخصيات، لكنه في الوقت ذاته يثقله بالتطويل المبالغ فيه وقد يشتت انتباه المتفرج عن الحبكة الرئيسية.