
شهدت المدرسة الرائدة خلال السنتين الأخيرتين جدلاً واسعًا وكتاباتٍ متعددة، تباينت فيها الآراء بين متفائل يحدوه الأمل وآخر متشائم يرى المستقبل مظلمًا ومحفوفًا بالتحديات، ومع انطلاق الموسم الدراسي 2025/2026، بدأت الوزارة بتسريع وتيرة المشروع الإصلاحي الطموح الذي يهدف إلى أن يكون قاطرةً للتغيير، ومعالجةً حقيقيةً لمشكلات التعثر الدراسي، ومحاربةً للهدر المدرسي، وبلسمًا شافيًا للاختلالات في التعلمات الأساسية مثل القراءة والكتابة والحساب، كما يسعى المشروع إلى رقمنة المشهد التربوي، وتجويد المنظومة التعليمية، وخلق بيئة مدرسية جاذبة للطلاب، وهي أهدافٌ لاقت ترحيبًا واسعًا من المدرسين وأولياء الأمور، وحتى من المتعلمين أنفسهم، لا سيما بعد إعادة طلاء المؤسسات وتزيين الفصول بألوان جذابة، وتوفير طاولات براقة، وتأثيث القاعات بأجهزة عرض وشاشات استقبال، وتوزيع الحواسيب على المدرسين، وطباعة وتوزيع ملايين الكراسات التعليمية مجانًا على الطلاب.
تحديات الانطلاق: من الدعم إلى التعليم الصريح
بدأ المشروع التعليمي الجديد بالظهور مع مطلع هذا الموسم الدراسي، حيث كانت الخطوة الأولى متمثلةً في عمليات الدعم والمعالجة التي استمرت لنحو شهر ونصف، خلال هذه الفترة، تملك القلق أولياء الأمور، فقد نظر الكثير منهم إلى البداية بريبة وشك، إذ تضمنت التمارين الأولى جملًا متراصة وأسئلةً شديدة السطحية، بدت أنسب لمرحلة رياض الأطفال أو التعليم الابتدائي وليس لطلاب المرحلة الإعدادية، ثم تدرج الأمر تدريجيًا إلى فقرات ثم نصوص قصيرة، مع انتظار الانتقال إلى نصوص أطول، ترافق ذلك كله بتقييم مستمر، شمل أسئلة كتابية وشفوية، واختبارات دعم قبلية وبعدية، وتصحيحًا، وبطاقات تقنية لا تنتهي، مما أحدث إرهاقًا لا يطاق للجميع، ورغم الانبهار الأولي لدى الطلاب، إلا أن الانطباعات الأولية سرعان ما تلاشت، وذاب معها الإعجاب وبريق التوقعات، ليجد الطالب نفسه كطفل رضيع بدأ يزحف، وحين أوشك على الوقوف لأول مرة، توقف عن ذلك مع توقف الدعم عند عتبات النصوص القصيرة، قبل أن يصل إلى النصوص الطويلة.
لم يكتمل استخدام كراسة الدعم والمعالجة، ليجد الجميع أنفسهم أمام محطة جديدة هي “التعليم الصريح”، وهكذا، وزعت كراسات جديدة، وأعيد توزيع الطلاب على فصولهم الأصلية في لوائح المؤسسة، الأمر الذي بدا وكأنه إعادة ترتيب لأوراق اللعب، وبدأت عملية تعليمية مختلفة تمامًا، حيث ظهرت شرائح دروس عبارة عن صور متلاحقة تتطلب وضع علامات اختيار أو وصل بالأسهم، تعددت عناوين الدروس، وتاه كل من الطالب والمعلم بين المحطات والمراحل والوحدات، ومن فهم المسموع إلى فهم المقروء، ومن الظاهرة اللغوية إلى التحدث والإنتاج الكتابي، وانتقلت الأهداف المعلنة إلى الكفايات، ومن أسلوب الإلقاء إلى إشراك الطالب في عمليات جماعية مشتركة أو مستقلة، ومن الفهم المباشر إلى الفهم الاستنتاجي، كما تعددت طرق تقييم أداء الطلاب، من فروض كتابية إلى شفهية إلى منزلية (في الأسدوس الثاني بالنسبة للنوع الأخير)، مما أدى إلى استنزاف المدرسين بشكل أكبر.
في الأثناء، كانت اللجان الوزارية تتنقل بين المؤسسات للاطلاع على ظروف العمل، ومدى تقدم العملية، ودرجة تحسنها، وأسباب التعثرات المحتملة، وقد حظيت بفرصة الاجتماع مع لجنة وزارية ضمت مدير ديوان الوزير، الذي استمع إلى المدرسين ومشاكل العمل، وكان الإجماع على أن المدرس هو محور العملية، وهو من يعاني دون أن يجد من يستجيب لمعاناته، فالإصلاح مطلوب دائمًا، والتغيير سنة الحياة، لكن تطبيق هذا الإصلاح يشوبه العديد من الشوائب، من أخطاء في الكراسات، إلى محتويات غير متناسبة أحيانًا، وصولاً إلى مطالب تفوق المستطاع، فكيف يمكن تحقيق الطاعة في ظل هذه الظروف؟
صورة معبرة: قصة الفيل والنملة وبيروقراطية الإصلاح
وصف أحد المدرسين الوضع الراهن مستخدمًا قصة رمزية عن الفيل والنملة، فقد شاهد الفيل النملة تعمل بجدٍ واجتهادٍ لا يكل، فقال في نفسه: “هذه تعمل وحدها وتحقق إنتاجيةً عالية، فماذا لو زودناها بجهاز مرافق ومساعد وموجه؟!”، فأحضر فريق سكرتارية مكونًا من أربع ذبابات، وخمسة غربان كسعاة بريد، وست سلاحف كمخططين استراتيجيين، وطُلب من النملة أن تحصي خطواتها يوميًا، بالإضافة إلى إحصاء حبات القمح، والأوراق، والأعواد، كلٌ في ملف خاص به، فانشغلت النملة بعمليات العدّ، وتناقص وقت عملها الفعلي، وتراجعت إنتاجيتها بشكل ملحوظ، حينها، قرر الفيل ترشيد نفقات فريق العمل، وكان أول قرار اتخذه هو إدانة النملة ووقفها عن العمل بسبب “تخاذلها” في أداء مهامها.
استنزاف المدرسين: رقمنة بلا فائدة
هكذا، يجد المدرسون أنفسهم مرهقين ومنهكين بسبب عمليات الرقمنة التي يرونها عقيمةً ومملة، خاصةً عملية رصد الكفايات، حيث يجب تسجيل ثمانية عشر كفايةً لكل تلميذ، وبضرب هذا العدد في ما يقارب أربعين تلميذًا لكل قسم، وبمتوسط ستة أقسام، فإن عدد النقرات يتجاوز ثمانية آلاف نقرة على لوحة المفاتيح في المرحلة الواحدة، إنه فعلاً عذاب سيزيف المتجدد مع صخرته اللعينة.
أعباء إضافية: تقييمات مبالغ فيها
يضاف إلى ذلك، الأعباء الناتجة عن الفروض والاختبارات الأخرى، وعمليات تقييم الأنشطة المدمجة التي تتطلب رصد “أرباع النقطة”، وكأننا نحصي تركة متوفى في نظام المواريث، لم يتبقَ إلا أن يُطلب من المدرس إحصاء نجوم الشتاء والصيف، ثم تعداد الشعر الأبيض الذي بدأ يغزو رأسه، والشعر الأسود، وحتى الشعر المتساقط، إن أبقت “المدرسة الرائدة” له شيئًا ليعدّه.
تحديات تحضير الدروس: سباق مع الزمن
أما قصة تحميل الدروس أو الشرائح، فهي أشبه بالخيال، إذ يتعين على المدرس الانتظار حتى يوم الأحد ليتلقى المادة التعليمية المنتظرة عبر رابط (درايف)، ثم يقع على عاتقه قراءة المحتويات وفهمها وتصحيحها واستيعابها ذهنيًا، لتحويلها إلى مادة وظيفية جاهزة للعمل بها صباح يوم الاثنين وما يليه، وكأننا نطلب من الأستاذ أن ينام هانئ البال مع أحلام سعيدة بدروسه الجديدة، مستمتعًا بامتصاص عصارتها كما تفعل الحيوانات المجترة، فلديه وقت قصير جدًا للتمثل المعرفي، أشبه بعملية التمثيل الضوئي للنباتات.
معيقات فنية ومحتوى متناقض
بالطبع، لن نتطرق إلى المعيقات الصغيرة، مثل انقطاع التيار الكهربائي في بعض المؤسسات التعليمية لأسباب مختلفة، مما يضع المدرس في موقف حرج، فجهاز العرض والحاسوب يعتمدان على الكهرباء، وتوقفها يعني العودة الفورية إلى السبورة والطباشير، والعمل مجددًا بالطريقة التقليدية البدائية، أما المحتوى التعليمي نفسه، فيتأرجح بين مضامين جديدة ومعاصرة، كالذكاء الاصطناعي ومنصات التواصل الاجتماعي، وبين دروس عفا عليها الزمن، إذ إنها مكررة سبق للطالب أن درسها في المرحلة الابتدائية، فمثلًا، يعود طلاب السنة الثانية إعدادي لدراسة “الاسم الموصول” و”اسم الإشارة” بعد أن درسوهما في السنة الأولى ضمن النظام السابق، وكذلك يدرس طالب السنة الثالثة إعدادي درس “الاستثناء” بعد أن كان قد درسه في السنة الثانية في النظام التعليمي السابق، وتبرز المشكلة نفسها في أسابيع الدعم والمعالجة، حيث تتشابه محتويات كراسات السنة الأولى والثانية والثالثة إعدادي في مادة اللغة العربية، بل تكاد تتطابق، وكأن لا فروق في المستوى بينها جميعًا.
خطر تراجع مهارات الكتابة والتعبير
لكن المشكلة الأكبر تكمن في أن الطالب في المدرسة الرائدة، ومع مرور الوقت وانقضاء الأسابيع والشهور، يصبح عاجزًا عن تحرير نص قصير، وذلك لأنه يكتفي طوال الحصص بوضع علامات، أو الاختيار من متعدد، أو الوصل بالأسهم، فالكتابة أصبحت محصورة في حصص معدودة مثل حصص الإنتاج الكتابي، والمشاركة التعبيرية مقتصرة على حصة التحدث، مما يفقد الطالب سلاسة القلم وحركيته التي كانت لديه سابقًا، بل تتجمد الأصابع وتتحجر المخيلة تدريجيًا، رغم حداثة المواضيع وجاذبيتها في “المدرسة الرائدة”، وقد ركزت في هذا المقال على مادة اللغة العربية بحكم التخصص، ولأهميتها كقاطرة لباقي المواد، ولقدرتها على فتح آفاق واسعة للأنشطة الموازية كالمسرح، والشعر، والخطابة.
تساؤلات جوهرية حول مستقبل “المدرسة الرائدة”
تبقى التساؤلات الكبرى معلقةً: هل التبسيط الملحوظ في كراسات “المدرسة الرائدة” هو مجرد سطحية وارتجال، أم أنه مشروع إصلاحي حقيقي يهدف إلى إنقاذ أجيال واسعة مهددة بالهدر المدرسي والتخلف عن الركب؟ وهل صحيح ــ كما يشاع ــ أن هناك نية للتضحية بالطلاب المتميزين والعباقرة، على قلتهم، لصالح تخريج “قطعان” جديدة من الطلاب الذين يرددون الإجابات الجاهزة من المنصات الرقمية، دون تمحيص، أو اجتهاد، أو إبداع؟
