
من المهم التأكيد على أن أجهزة إنفاذ القانون المصرية ليست غافلة عما يمارسه المهربون، بل قد تغض الطرف عنهم لأهداف ترتبط بالسياسة العامة للدولة المصرية، سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو غير ذلك. فمصر، ومن حقها، تحرص أشد الحرص على أمن بلادها وشعبها، وتطلق على المقيمين من اللاجئين على أرضها، لا سيما السودانيين منهم، مسمى “ضيوف مصر”، انطلاقًا من مبدأ “الأقربون أولى بالمعروف”.
حملات التوقيف والالتزام القانوني
لا ينبغي لأحد أن يظن أن جميع من طالتهم حملات “الكشة” من السودانيين هم أبرياء من المخالفات القانونية، وإن كان من المحتمل وجود بعض الضحايا الذين لم يرتكبوا أي مخالفة.
خيارات التعامل مع ملف اللاجئين
لو أن الدولة المصرية أقامت معسكرات للاجئين السودانيين على أراضيها، لما لامها أحد على ذلك، فهذا يُعد من الأعمال السيادية المتفق عليها دوليًا، لكن مصر آثرت اتباع أسلوب “الباب الموارب”، رغبةً منها في “الجمع بين الحسنيين”. وفي هذا السياق، نوجه لمصر، حكومة وشعبًا، خالص الشكر من أعماق قلوبنا، لكن الحكمة الشعبية لدينا تقول: “الفسالة البَيْنَة ولا الجود المَجَهْجَة”.
توضيح المصطلحات
لشرح المصطلحين:
* **الفسالة:** تعني لؤم الطباع، والفَسِل من الرجال هو من لا مروءة له، وكما قال الشاعر العربي: “لكل امرئٍ شكل يقرّ بعينه وقُرة عين الفسِلِ أن يصحب الفَسِلا”.
* **الجَهْجَهَة:** تعني الحيرة أو العمل المضطرب، ومثالها قول العرب: “جَهْجَهَ السبعَ”، أي صاح به ليكفّه. والمقصود هنا أنه كان الأجدر بمصر أن تُنشئ معسكرات لجوء واضحة ومُعلنة لأهل السودان، بدلًا من هذا الاضطراب والتردد في التعامل.
أهمية الالتزام بقوانين الضيافة
لو أن بعض السودانيين التزموا بالآداب العامة والقوانين المرعية، وتذكروا أن مصر تختلف عن السودان، وأنهم ضيوف لا أسياد بيت، وأن للضيافة حدودًا لا يجوز تجاوزها، لما حدث ما حدث.
حكاية الضيف والحدود
يُروى أن رجلاً نزل ضيفًا على آخر، ومكث عنده ثلاث ليالٍ، ثم استأذن بالمغادرة. اصطحبه المضيف إلى خارج القرية لوداعه، فقال الضيف: “أنا في الحقيقة لست بضيف! لكني سمعت أنك تضرب الضيوف، فأتيت لأرى، ولم أجد منك إلا كل خير وإكرام”. فرد عليه المضيف: “لكنك لم تفعل ما يستدعي الضرب!”. وواصل المضيف شرحه: “الكلام الذي يجلب الضرب هو أن أقول للضيف: ارقد في هذا السرير، فيقول لي: لا، سأنام في ذاك! أو أن أقول له: أحضر لك الشاي؟ فيقول: لا، أحضر لي القهوة! أو أقول له: سأمشي معك لأوصلك، فيقول: لا، سأذهب بمفردي! هذا هو الكلام الذي يجلب الضرب، فهل هذا ضيف أم قليل أدب؟”.
حان وقت العودة
بما أننا على بعد خطوات قليلة من دحر المليشيا في السودان، وقد عادت الحياة إلى طبيعتها في معظم مدن السودان، وعاد الملايين من أهلنا إلى وطنهم، فقد آن الأوان لأهل مصر أن ينعموا بالراحة من السودانيين، وذلك بغض النظر عن الأحاديث الودية حول كوننا شعبًا واحدًا وبلدًا واحدًا. فالمقولة الشهيرة “الكلام بفلوس!”، تلخص الكثير.
محجوب فضل بدري
