
كل من يتابع التطورات في الحرب الدائرة بين إيران من جهة، وهاجم أميركا وإسرائيل من جهة أخرى، يدرك أن هناك تداعيات كبيرة على الاقتصاد العالمي وأسعار الأسواق، خاصة مع كل تصريح يصدر عن الرئيس الأميركي أو الإيراني، حيث تؤثر تلك التصريحات بشكل مباشر على أسعار الطاقة وحركة النقل. ومضيق هرمز بشكل خاص يلعب دورًا محوريًا في تحركات أسعار الطاقة، إذ تجاوز تأثيره إلى سلع ومفردات أخرى، الأمر الذي يترجم إلى قرارات تضغط على المواطن العادي، الذي يواجه ارتفاعات مستمرة في الأسعار وتضخم يتكرر لسنوات. منذ عام 2020، والعالم يمر بأزمات متعاقبة، بداية من آثار جائحة كورونا، تلتها حرب روسيا وأوكرانيا، ثم الأزمات التي أعقبت ذلك، بما في ذلك الحرب على غزة، والأزمة الأخيرة مع إيران، وكل منها من انعكاسات 7 أكتوبر 2023. وكل هذه الأزمات تؤثر بشكل مباشر على المواطن المصري، الذي تحمّل – ولا يزال – الكثير من الضغوط، ولا يلتقط أنفاسه من أزمة إلا وتغمره أخرى، وهو ما يظهر مدى وعي وصبر الشعب المصري على مر السنين، لذلك، من الضروري أن تتخذ الحكومة إجراءات شفافة وشاملة لإدارة الأزمة، بعيدًا عن مجرد رفع الأسعار.
انعكاسات الحرب على الأسعار العالمية والتضخم
بدأت آثار الحرب في إيران مع الولايات المتحدة وإسرائيل تظهر على التضخم وأسعار السلع العالمية، خاصة مع إغلاق مضيق هرمز الذي أدى إلى تأثيرات مباشرة على السوق العالمية. كجزء من الإجراءات المتخذة، أعلنت الحكومة عن رفع أسعار الوقود بمقدار 3 جنيهات للتر في البنزين والسولار، مما أدى إلى زيادة تكاليف النقل، سواء للأفراد أو للبضائع. وعليه، ظهرت سريعًا آثار ذلك على أسعار الخضر والفواكه والمواد الغذائية الأساسية، رغم أن الحكومة أعلنت عن عدم رفع سعر السلع المدعمة، إلا أن عمليات الشراء من السوق الحر، خاصة للخبز والسلع الأخرى، تأثرت بشكل كبير، حيث بدأ بعض التجار في رفع الأسعار على الفور، دون انتظار قرارات رسمية، مما يتطلب رقابة صارمة على الأسواق لضبط السوق وتقليل أثر ارتفاع الأسعار.
تصريحات الرئيس السيسي وتوجيهات الحكومة تجاه الأزمة
تحدث الرئيس عبد الفتاح السيسي مؤخرًا عن آثار الحرب على التضخم وأسعار الوقود، خاصة مع ارتفاع أسعاره نتيجة إغلاق مضيق هرمز. أكد على أهمية التمييز بين تأثيرات الأزمة العالمية على الاقتصادات، ومحاولات بعض التجار والمحتكرين لاستغلال الوضع من أجل رفع أرباحهم بصورة غير مشروعة. أُعلن عن إجراءات رادعة لمواجهة التلاعب بالأسعار، منها إحالة المتلاعبين إلى المحاكم العسكرية، ومع ذلك، انعكست زيادة أسعار الوقود على تكاليف النقل بشكل مباشر، ليأتي رئيس الوزراء ويؤكد أنه في حال انتهاء الحرب، سيتم مراجعة قرار رفع أسعار البنزين وإعادة ما كان عليه من أسعار سابقة، خاصة مع انخفاض أسعار النفط في الأسواق العالمية بعد تصريحات الرئيس الأميركي حول قرب نهاية الصراع، الأمر الذي قد يؤدي إلى تراجع الأسعار بشكل ملموس، إلا أن هذا لم يتحقق إلا مرة واحدة حتى الآن، حيث تم خفض السعر بمقدار 25 قرشًا للتر، ولا تزال الأسعار الحالية مستقرة عند وضعها الجديد، مما يعكس مدى التزام الحكومة بوعودها، ويعزز من مصداقيتها.
محاور الدعم الاجتماعي والأجور بعد ارتفاع التضخم
تطرق حديث الحكومة إلى ضرورة الاستمرار في دعم الفئات الأكثر احتياجًا، حيث تقرر مد العمل بقرار زيادة الدعم لبرنامج تكافل وكرامة، إضافة إلى عرض رفع الحد الأدنى للأجور خلال شهر رمضان الماضي، بهدف تقليل تأثير ارتفاع الأسعار على المواطنين. ومع ذلك، فإن ارتفاع التضخم، وتابعته من خلال ارتفاع أسعار السلع والخدمات، يؤثر بشكل خاص على أصحاب المعاشات، الذين يعانون من ضعف المعاشات وعدم مواكبتها لغلاء المعيشة، وهو ما يستدعي ضرورة وجود آليات فعالة لمعالجة ملف الأجور والمعاشات، بحيث تتوافق مع معدلات التضخم. بالإضافة إلى ضرورة وجود رقابة صارمة على تجار الخبز غير الرسمي، لضمان عدم تلاعبهم بالأسعار والتخفيف من أثر ارتفاع التكاليف على المواطنين.
ضرورة العمل المتكامل ووعي المواطنين
من أجل إقناع المواطن بمدى جديّة الإجراءات، يجب أن يلمس العمل على جميع الأصعدة، سواء عبر تعزيز الرقابة على الأسواق، أو معاقبة المُتلاعبين بالأسعار، بحيث يكون الارتفاع في الأسعار متناسبًا مع الارتفاعات العالمية، مع توسيع الرقابة لتشمل السلع الحرة وليس فقط السلع المدعومة. إن التجارب السابقة تثبت أن سرعة التعامل مع قضايا التلاعب بالأسواق، عبر محاكم أمن الدولة وغيرها، ساعدت في ضبط السوق، ولكن يتطلب الأمر أيضا تضافر جهود الحكومة، والبرلمان، والغرف التجارية، لوضع آليات كاملة لمواجهة الأزمة، وتنظيم العرض والطلب، وترشيد الاستهلاك، وتقليل الإنفاق غير الضروري.
لقد تحمل المواطن المصري الكثير من تأثيرات الأزمات على مدى السنوات الماضية، ويبقى الأمل في أن يكون كل من مجلس النواب والحكومة على نفس مستوى المسؤولية، للعمل جنبًا إلى جنب لتجاوز هذه المرحلة، خاصة وأن تأثيرات الأزمة لا تمس طرفًا واحدًا، وإنما تؤثر على الجميع بشكل متساوٍ.
