
يسجل قطاع تكرير النفط في غرب أفريقيا نموًا لافتًا، إذ تشير التوسعات الجارية في المصافي إلى استعدادات لزيادة الإنتاج بهدف إنهاء اعتماد دول المنطقة على واردات المشتقات النفطية، وتحقيق الاكتفاء الذاتي.
في هذا السياق، قدمت مصفاة دانغوتي النيجيرية نموذجًا رائدًا وملهمًا، إذ نجحت في تحويل قطاع الوقود في البلاد من مستورد رئيسي إلى مصدر، وخاصة للبنزين.
وكنتيجة مباشرة لذلك، تراجعت واردات نيجيريا، التي كانت تُعرف سابقًا بـ “أكبر دولة مستوردة للبنزين” في المنطقة، بينما تضاعفت صادراتها تقريبًا خلال عام واحد فقط، وفقًا لتفاصيل تتبعتها منصة الطاقة المتخصصة.
هذه الطفرة في التكرير لم تقتصر على حدود نيجيريا، بل امتدت إلى دول أخرى في غرب القارة السمراء، حيث تبذل كل من أنغولا وغانا جهودًا حثيثة لإحياء مشاريعها التي تهدف إلى تعزيز الاكتفاء الذاتي وتقليص الواردات.
تراجع واردات الوقود
تعكس التطورات المستمرة في قطاع التكرير بغرب أفريقيا مساعي بعض الدول لتحويل المنطقة إلى مركز إقليمي للوقود، وذلك في ظل هدف مشترك يتمثل في تقليص الاعتماد على الواردات بشكل جذري.
وقد دعمت حكومات هذه الدول هذا التوجه بقوة، لضمان تحقيق الاكتفاء الذاتي، والانتقال بعد ذلك إلى مرحلة التصدير، مما يعزز الاستقلالية الاقتصادية.
وتشير البيانات المتاحة إلى تراجع واردات نيجيريا ودول غرب أفريقيا بمعدل لافت خلال الفترة الأخيرة، وشمل هذا التراجع كلاً من البنزين والمشتقات النفطية المتوسطة، مثل: الديزل الأحمر (الرديء) ووقود الطائرات.
وانخفضت واردات البنزين لدول المنطقة، الممتدة من موريتانيا إلى أنغولا، لتصل إلى 337 ألف برميل يوميًا منذ بداية العام الجاري، مسجلة تراجعًا يقارب الربع.
وبالمثل، سجلت واردات المنطقة من وقود الطائرات أدنى مستوياتها منذ 9 سنوات (تحديدًا منذ عام 2016) لتصل إلى 4 آلاف برميل يوميًا، حسب بيانات نقلتها منصة أرغوس ميديا المتخصصة في شؤون الطاقة عن كبلر.
كما هبطت واردات الديزل الأحمر إلى 162 ألف برميل يوميًا، وهو أدنى مستوى لها في غضون 5 سنوات.
وسجلت واردات الوقود النيجيرية تراجعًا ملحوظًا، مدعومة ببدء إنتاج البنزين في مصفاة دانغوتي خلال سبتمبر/أيلول 2024.
وبعد مرور عام على بدء الإنتاج المحلي، بلغت واردات نيجيريا، التي تعدّ أكبر الدول المستوردة للبنزين في المنطقة، 40 ألف برميل يوميًا في سبتمبر/أيلول الماضي، مقارنة بـ 332 ألف برميل قبل عام، مما يعكس تحولًا جذريًا في السوق المحلية.
مشروعات التكرير في غرب أفريقيا
تسعى مشروعات التكرير في غرب أفريقيا جاهدة لتحقيق الاكتفاء الذاتي من الوقود، خاصة وأن فاتورة الواردات سجلت أرقامًا قياسية في السنوات الأخيرة، متأثرة بارتفاع أسعار الطاقة العالمية والتقلبات الجيوسياسية.
وقد جسدت مصفاة دانغوتي النيجيرية مثالًا واقعيًا على إمكانية إحداث طفرة في قطاع التكرير بغرب أفريقيا، في حين تستعد مشروعات في دول أخرى بالمنطقة للانضمام إلى مسيرة التطوير الإقليمية.
وتتجه الأنظار نحو أداء هذه المشروعات، سواء القائمة والمنتجة بالفعل أو الناشئة وقيد التطوير، خلال العام المقبل 2026، لتحديد المدى الحقيقي لهذه الطفرة وتأثيرها.
وقد برزت نماذج لمشروعات من 3 دول في المنطقة تعزز هذا الاتجاه الطموح، وهي:
أولًا: مشروعات التكرير في نيجيريا:
- مصفاة دانغوتي
يعدّ مشروع “دانغوتي” المستقل أكبر مصفاة تكرير في القارة السمراء، بقدرة إنتاجية تصل إلى 650 ألف برميل يوميًا.
ولعل ما قدمته المصفاة لسوق التكرير الإقليمية يمثل نموذجًا يحتذى به، إذ ساهمت بشكل كبير في تقليص واردات نيجيريا والمنطقة من الوقود.
ويبدو أن تأثير نشاط المصفاة امتد من تحقيق الاكتفاء المحلي إلى دعم صادرات نيجيريا أيضًا، حيث قفزت شحنات أبوجا من المشتقات المتوسطة بشكل ملحوظ من 82 ألف برميل في يوليو/تموز من العام الماضي، لتصل إلى 145 ألف برميل يوميًا في الشهر ذاته من العام الجاري.
وقد غيرت “دانغوتي” ملامح سوق المشتقات الإقليمية، وراعت استدامة التشغيل من خلال الصيانة الدورية وخطط التوسع في الإنتاج المحلي والصادرات للعام المقبل.
- مشروعات شركة النفط النيجيرية
لم تقتصر توسعات التكرير النيجيرية على مصفاة دانغوتي وحدها، رغم أنها ما تزال المشروع الأبرز، إذ تكافح أصول التكرير التابعة لشركة النفط الحكومية لاستئناف التشغيل، خاصة المنشآت والمرافق التي توقفت لفترات طويلة لأغراض إعادة التأهيل.
ومن بين أمثلة هذه المحاولات لاستعادة القدرة الإنتاجية:
- إعادة تشغيل وحدة بطاقة 60 ألف برميل يوميًا، في مصفاة “بورت هاركورت”، التي تصل طاقتها الإجمالية إلى 210 آلاف برميل يوميًا.
وقد استؤنف تشغيل هذه الوحدة نهاية العام الماضي، قبل أن تتوقف مجددًا في مايو/أيار من العام الجاري.
- إعادة تشغيل مصفاة “واري” بطاقة 125 ألف برميل يوميًا نهاية العام الماضي أيضًا، لكنها توقفت مرة أخرى في يناير/كانون الثاني (بعد شهر واحد فقط من التشغيل).
ثانيًا: مشروعات التكرير في أنغولا:
- مصفاة كابيندا
تعول أنغولا بشكل كبير على مصفاة كابيندا، التي تعدّ مشروعًا مشتركًا بين: شركة جيمكورب (Gemcorp) ومقرها المملكة المتحدة (بحصة 90%)، وشركة سوناغول الحكومية (بحصة 10%).
وتلبي المصفاة، التي تصل طاقتها الإنتاجية إلى 30 ألف برميل يوميًا، ما يعادل 10% من إجمالي الطلب المحلي للبلاد.
وفي مرحلة التطوير الأولى، زودت “كابيندا” السوق المحلية بإنتاجها من: (الديزل الأحمر، ووقود الطائرات)، وتُخطّط المصفاة للتوسع بإنتاج البنزين في المرحلة الثانية بحلول عام 2028.
وقُدرت واردات أنغولا من الوقود خلال الأشهر من يناير/كانون الثاني حتى أغسطس/آب من العام الماضي، على النحو التالي:
| نوع الوقود | الكمية (برميل يوميًا) |
|---|---|
| البنزين | 20,000 |
| الديزل والديزل الأحمر الرديء | 40,000 |
| وقود الطائرات | كميات محدودة |
ثالثًا: التطورات في غانا:
تواصل غانا خطواتها الجادة نحو إعادة تشغيل مصفاة تيما (المعروفة أيضًا باسم تور TOR) بصورة كاملة، والتي تصل طاقتها الإنتاجية إلى 45 ألف برميل يوميًا.
وقد تشكل العودة المحتملة لتشغيل هذه المصفاة إضافة قيمة لقطاع التكرير في غرب أفريقيا، حيث تخضع مرافقها حاليًا لأعمال صيانة دقيقة لضمان أعلى معايير الكفاءة والسلامة.
وتشهد مصفاة سينتو (التي تصل طاقتها إلى 120 ألف برميل يوميًا) إنتاجًا غير منتظم، مما يعكس تحديات في استمرارية عملياتها.
- مصفاتا بلاتون وأكوابا
تمتد ظاهرة الإنتاج المتقطع أيضًا إلى مصفاتي بلاتون وأكوابا في غانا، مما يؤثر على إسهاماتهما في الإمدادات المحلية.
- مشروع مؤسسة تطوير النفط
شهد مشروع مؤسسة تطوير مركز النفط في غانا، الهادف إلى بناء 3 مصافي تكرير بطاقة إجمالية تبلغ 300 ألف برميل يوميًا، تأخيرات في الجدول الزمني، مما يؤجل تحقيق أهدافه الطموحة.
