
حين يُسأل أحدهم: متى تأسست المملكة العربية السعودية؟ يُجيب: عام 1727، وهذه إجابةٌ صحيحة — لكنها ناقصةٌ جوهرياً.
البداية الحقيقية للهوية السعودية
السؤال الأعمق هو: متى بدأت “الهوية السعودية” فعلاً؟ والجواب يُفاجئ: قبل 120 ألف عام، حين كانت الجزيرة العربية خضراء وممتدة، تحتضن أولى هجرات الإنسان على هذا الكوكب.
دولةٌ ذات وجود تاريخي
نحن إذاً أمام ظاهرةٍ لا نظير لها: دولةٌ ذات حضورٍ سياسيٍ حديث، تستند إلى شرعيةٍ وجوديةٍ تسبق الدول والخرائط والمعاهدات كلها، وهذا ما أسميه “الامتداد الكوني”.
الجزيرة العربية كمعبر إنساني
من الصحراء الخضراء إلى الممر الإنساني الأول في قلب صحراء النفود، يكشف علم الآثار عن حقيقةٍ مذهلة: الجزيرة العربية لم تكن يوماً هامشاً، بل كانت البوابة، في تلك الحقبة السحيقة، كانت الأرض التي أصبحت لاحقاً المملكة العربية السعودية هي الممر الذي سلكه الإنسان في هجرته الكبرى من أفريقيا نحو آسيا وأوروبا، ليس استعارةً أن نقول إن في هذه الأرض شيئاً من بصمة كل إنسانٍ على وجه الأرض.
البنية الثقافية للمملكة
فوق ذلك الجذر السحيق، بنى إنسان هذه الأرض “سيادة التدفقات”، فلم تكن الجزيرة معزولةً خلف الرمال، بل كانت تمسك بمفاتيح أهم شرايين التجارة العالمية في العالم القديم: البخور والتوابل والذهب والحرير، هذا النموذج — إدارة المصالح العالمية من قلب الجغرافيا الصعبة — هو الخلفية الثقافية العميقة لرجل الأعمال السعودي اليوم والدبلوماسي في أروقة الأمم المتحدة.
لحظة التحول الروحي
لكن اللحظة الأكثر تحولاً كانت روحيةً، حين نزل الوحي في هذه البقعة، لم تتغير الجغرافيا — لكن كل شيءٍ تغيّر في المعنى، فجأةً أصبحت الأرض مركز الثقل الروحي للبشرية، القبلة التي يتجه إليها مليار وسبعمائة مليون إنسانٍ خمس مراتٍ يومياً هي اختيارٌ بالغ الدلالة.
تاريخٌ يحمل كل الطبقات
هل ثمة في التاريخ البشري كله أرضٌ أخرى تحمل هذه الطبقات الثلاث معاً: مهد الإنسانية، وقلب التجارة، ومهبط الوحي؟
الرؤية التاريخية للتأسيس
في ضوء هذه الطبقات المتراكمة، يتغير فهمنا لعام 1727، التأسيس السياسي لم يكن خلقاً من عدم — بل استعادة تنظيمٍ لإرثٍ ضخمٍ كان يفتقد إلى إطاره السيادي الجامع، الدولة لم تصنع الهوية، بل أعادت تعريفها في لغة القانون الدولي.
عودةٌ إلى الجذور
هل رؤية 2030 تغييرٌ جذريٌ في الهوية؟ الجواب الأدق: لا، إنها استعادة، حين تفتح المملكة نفسها للعالم، وحين تقود مبادرات المناخ والتنمية، وحين تُعيد اكتشاف تراثها في العُلا — فهي تعود إلى دورها الأصيل كمركزٍ للتدفقات، لا تسعى لتقليد الآخرين.
جامعة الرياض للفنون: تجسيدٌ للامتداد الكوني
والدليل الأحدث على هذه العودة: صدور الأمر الملكي الكريم بإنشاء جامعة الرياض للفنون، هذه الجامعة ليست مجرد مؤسسةٍ تعليميةٍ جديدة، بل هي تجسيدٌ حديثٌ للامتداد الكوني ذاته، فهي ستجمع بين التراث الفني السعودي القديم (من النقوش الصخرية في النفود إلى فنون العُلا) والإبداع المعاصر، لتصنع جيلاً يحمل في وعيه الطبقات الثلاث: الإنسانية والتجارية والروحية، بهذا تتحول الجامعة من “مؤسسة فنية” إلى حارسٍ للهوية في زمن التحول الرقمي والثقافي.
خاتمة: هويةٌ حية متعددة الأبعاد
الخطأ الأكبر في قراءة الهوية السعودية هو اختزالها في مرحلةٍ واحدةٍ أو بُعدٍ واحد، الحقيقة أن هذه الهوية كائنٌ حيٌ متعدد الطبقات: إنسانية وتجارية وروحية وسياسية، تتراكم عبر 120 ألف عام في مشهدٍ واحدٍ يجمع بين مواطنٍ يُصلي في المسجد الحرام وآخر يُطلق قمراً اصطناعياً، وطالبٍ يدرس الفنون في جامعة الرياض للفنون، السعودية اليوم ليست دولةً تحاول أن تصنع هويةً لها — بل هي هويةٌ وجدت دولةً تحميها.
