
تُعتبر قرية دار الكتب التابعة لمحافظة القليوبية، جوهرة قريبة من صخب العاصمة المصرية، تتميز هذه القرية بسحر خاص، حيث انتقلت من مجرد مجتمع زراعي تقليدي إلى مركز عالمي لإنتاج الورد البلدي والمستورد بكافة أنواعه، يربو عدد سكانها عن 20 ألف نسمة، الذين فضلوا التخصص في زراعة الزهور، فأصبح صيتها يمتد إلى دول كبرى مثل أمريكا وألمانيا وإيطاليا، مع اقتراب احتفالات رأس السنة، تبدأ القرية في استقبال موسم الحصاد، وتُزين الفنادق والمنازل بألوان أزهارها المبهجة، لتجعل من العام الجديد مناسبة متميزة.
تاريخ عريق ومهنة متوارثة
تُعد قصة نجاح دار الكتب نتيجة تاريخ طويل من الجهد والتفاني، حيث تُعتبر زراعة الورد مهنة متوارثة، تنمو جذورها في نفوس السكان، يتعرف الأطفال على أسرار المهنة من آبائهم وأجدادهم، قبل أن يتعلموا القراءة والكتابة، مما جعل القرية كنزًا حياً من الخبرات الزراعية، وكانت منافستها لدول كبرى، مثل هولندا المتصدرة في صناعة الأزهار عالميًا.
اليوم، لا تعرف القرية معنى البطالة، حيث نشطت هذه التجارة الرابحة جميع الشباب، وغالبية هؤلاء الشباب يحملون مؤهلات عليا، كمهندسين زراعيين، الذين لم ينتظروا الوظائف الحكومية، بل أطلقوا مشاتل خاصة بهم، مستخدمين أحدث أساليب التهجين والزراعة الحديثة، مما حول القرية إلى خلية نحل، تعمل ليل نهار، لتقديم أجمل ما يُثمره الأرض.
أسرار الإنتاج وشهادات من قلب الميدان
خلال جولتنا الاستقصائية في القرية، التقينا بعدد من القائمين على هذه المنظومة، حيث أفاد السيد محمد، صاحب أحد المشاتل الكبرى، بأن العمل في دار الكتب ليس مجرد زراعة، بل هو فن وتجارة تتطلب دقة عالية، حيث تتجاوز مساحة زراعة الزهور في القرية 500 فدان، وتستقبل العديد من الزوار في مواسم الأعياد، وتصل قيمة بعض الصفقات إلى 100 ألف جنيه، نظرًا لجودة الأنواع النادرة المتوفرة هنا.
أما كاملة رضوان، فهي مزارعة ذات خبرة، تؤكد على أن زراعة الورد لا تميز بين الرجل والمرأة، حيث أن النساء أثبتن جدارة في الإشراف على الصوب وحصاد المنتج النهائي، ويزرعون أنواعًا عالمية مثل الأوركيد والتيوليب وعصفور الجنة، بالإضافة إلى الورد البلدي بألوانه الزاهية، حيث يتم استيراد البذور من هولندا لضمان المعايير الدولية، مما يسهل عليهم المنافسة في الأسواق الخارجية.
رقابة الجودة وأسعار في متناول الجميع
يوضح المزارع علي رمضان نظام الرقابة على الجودة، حيث تمتلك القرية نظامًا دقيقًا يدقق فيه المشرفون الزراعيون في زياراتهم للفلاحين، مقدمين لهم الإرشادات والنصائح بشكل دوري، حيث أن أي خطأ بسيط قد يُحيل المحصول للهلاك، كما يشير رمضان إلى أن الأسعار تتناسب مع جميع الفئات، حيث يبدأ سعر الزهرة من جنيه واحد فقط، بينما تصل الزهرة المستوردة إلى 7 جنيهات كحد أقصى، مما يجعل دار الكتب البورصة الحقيقية للأزهار، والتي تحدد ملامح السوق في مصر.
تعتمد القرية على استراتيجيتين في إنتاجها الضخم، الأولى هي المشاتل المكشوفة التي تعتمد كليًا على الطبيعة وأشعة الشمس، والثانية على الصوب الحديثة المدعومة بإضاءة كهربائية وتدفئة خاصة، وتعتبر هذه الصوب المنجم الحقيقي للقرية، مُنتجة كميات ضخمة بسرعة، لتلبية الطلب المتزايد، خاصةً خلال احتفالات الكريسماس ورأس السنة.
التكنولوجيا الحديثة وتحديات السوق
يُضيف المهندس الزراعي كمال محمود، أحد أبناء القرية، أن دور المهندسين يتضمن إدخال التكنولوجيا لتطوير عمليات التهجين، مما يُساهم في إنتاج أنواع تتحمل الأجواء المختلفة وتبقى لفترات أطول بعد القطف، حيث أن الأرض في دار الكتب تتميز بخصوبة عالية، وتحتاج كميات قليلة من المياه، مما يعزز جودة الزهور ورائحتها العطرة.
لم تكن القرية بعيدة عن التحديات العالمية، حيث أثر انتشار جائحة كورونا وإغلاق الحدود على التصدير إلى دول عديدة، منها فلسطين والسعودية وعمان وليبيا، ومع ذلك أظهر سكان القرية مرونة رائعة، من خلال تركيزهم على السوق المحلي، تلبية لحاجات محلات الزهور في مصر، مما جعلها المنبع الأول للبهجة، ويسعى المزارعون الآن إلى استعادة مكانتهم العالمية قريبًا.
استعدادات رأس السنة وطموح العالمية
في شهر ديسمبر، تتحول دار الكتب إلى غرفة عمليات، حيث يُشارك الجميع في عمليات القطف والتغليف بدقة، وتُشحن الزهور في سيارات مجهزة، لتصل إلى الفنادق الكبرى والكنائس في ليلة رأس السنة، حيث يستمر العمل بلا توقف، مع حرص الجميع على أن يظهر المنتج بأبهى صورة، مما يعكس رقي القرية وسكانها، حيث يعتبر السكان الورد رسالة حب وجمال للعالم.
تبقى قرية دار الكتب مثالًا ملهمًا في مصر، فهي قصة نجاح تعتمد على الذات، واستطاعت أن تهزم البطالة من خلال الجمال، صنعت من ترابها ذهبًا ملونًا يفوح عطراً، وستظل دائمًا البورصة الأولى للورد، ومصدر السعادة في قلب مصر.
معجب بهذه:
إعجاب تحميل…
