«تحليل الدويري يقلب الطاولة: الأزمة الحقيقية للضمان ليست في الرواتب» الضمان الاجتماعي الأردني تحدي الاقتصاد الهيكلي لا فواتير الأجور… مستقبل الخيارات الملحة بقلم نور الدويري

«تحليل الدويري يقلب الطاولة: الأزمة الحقيقية للضمان ليست في الرواتب» الضمان الاجتماعي الأردني تحدي الاقتصاد الهيكلي لا فواتير الأجور… مستقبل الخيارات الملحة بقلم نور الدويري

يُعتبر ملف الضمان الاجتماعي محورًا اقتصاديًا بالغ الحساسية، نظرًا لتأثيره المباشر على شريحة واسعة من المواطنين واستقراره المالي على المدى الطويل، وقد تركز النقاش العام، مع طرح التعديلات الأخيرة، حول قضايا رفع نسب الاشتراكات أو تعديل سن التقاعد، خاصة في ظل توقعات بظهور ضغوط مالية محتملة خلال العقد القادم قد تمتد آثارها حتى منتصف القرن.

وفي خضم التحديات الاقتصادية الراهنة، مثل ارتفاع معدلات البطالة، تفاوت الدخول، وتكاليف المعيشة المتزايدة، من الطبيعي أن ينصب الجدل حول تداعيات مقترحات تعديل قانون الضمان الاجتماعي على المشتركين، ومع ذلك، تكشف الدراسة الاكتوارية الأخيرة أن القضية أبعد من مجرد تعديل نسب أو أعمار، فهي تعكس مؤشرات ديموغرافية واقتصادية متداخلة ومعقدة، أبرزها تزايد أعداد المتقاعدين وارتفاع متوسط العمر المتوقع، مقابل تباطؤ نمو قاعدة المشتركين، وهو ما يشبه إلى حد كبير مشكلة البطالة في الأردن حيث يفوق عدد الخريجين والباحثين عن عمل قدرة السوق على خلق وظائف جديدة، مما يضيف عبئًا متزايدًا لحل هذه المعضلة المقلقة، وهكذا، نجد أنفسنا أمام تفاصيل اقتصادية جديدة تتجلى في صورة “الضمان الاجتماعي”.

من هذا المنطلق، يصبح من الأهمية بمكان إعادة صياغة السؤال الأساسي، فهو لا يتعلق فقط بكيفية الموازنة بين الاشتراكات والمنافع، بل بكيفية توسيع القاعدة المنتجة بما يضمن استدامة النظام دون إثقال كاهل الفئة ذاتها بالأعباء.

أولاً: تمكين المشتركين الحاليين وتعزيز استقلاليتهم

لا ينبغي أن يقتصر مفهوم الإصلاح على تقليص المنافع أو رفع سن التقاعد، بل يجب أن يتسع ليشمل حماية المشتركين أنفسهم من المخاطر المستقبلية، ويقودنا ذلك إلى التساؤل: لماذا لا ننتقل من نموذج “موظف يعتمد كليًا على راتب تقاعدي” إلى نموذج “موظف يتمتع بمصدر دخل إضافي”؟

إن تمكين المشتركين الحاليين من امتلاك مشاريع صغيرة أو الانخراط في أنشطة خدمية مساندة يمكن أن يحقق ثلاث نتائج استراتيجية:

  • توفير دخل إضافي يحميهم من أي تعديلات مستقبلية محتملة في أنظمة التقاعد.
  • تحفيز الاقتصاد الداخلي عبر زيادة الإنتاج المحلي وتعزيز حركة السوق.
  • خلق وظائف جديدة تسجل في الضمان الاجتماعي، مما يوسع القاعدة التمويلية للنظام ويعزز استدامته.

لا يهدف هذا التوجه إلى تشجيع العشوائية، بل يتطلب تصميم برامج تمويل ميسرة بفوائد منخفضة وفترات سماح حقيقية، تستهدف قطاعات السوق ذات الطلب الفعلي، مع ربطها ببرامج تدريب وتأهيل واحتضان ومتابعة مستمرة، وهذا لا يسهم فقط في استيعاب الإجراءات التصحيحية، بل يدفع نحو نمط تفكير جديد يتمحور حول “ماذا بعد الوظيفة؟ وماذا بعد التقاعد؟ وكيف لا نعتمد على الراتب فقط؟”، فإذا تمكنت الحكومة من زيادة عدد المشتركين المنتجين بنسبة تتراوح بين 10-15٪ خلال عقد من الزمن، سيعزز ذلك استقرار الصندوق بشكل ملحوظ.

على سبيل المثال، يساهم كل 1000 مشترك جديد بنحو 1.2 مليون دينار سنويًا تقريبًا في إيرادات الضمان، ما يؤكد أن الإصلاح الفعلي لا يعتمد فقط على الحسابات الاكتوارية المعقدة، بل على تمكين الأفراد وتحفيزهم.

ثانياً: زيادة عدد المشتركين بدلاً من رفع نسبهم

يكمن جوهر أزمة الضمان الاجتماعي في تباطؤ نمو عدد المساهمين، مما يجعل الحل المنطقي هو زيادة قاعدة المشتركين، فكيف يمكن للحكومة تحقيق ذلك؟

يمكن تحقيق هذه الزيادة من خلال عدة محاور، منها دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة بشروط واقعية وميسرة، وتبسيط الإجراءات الإدارية أمام رواد الأعمال، بالإضافة إلى إطلاق حاضنات أعمال حقيقية ترتبط بالتمويل والتشغيل في مؤسسات رئيسية مثل مؤسسة التدريب المهني، والجامعات والكليات، ومدارس التدريب المهني، والمؤسسات الكبرى، ومن الضروري أيضًا ربط أي دعم حكومي بتسجيل العاملين في الضمان الاجتماعي، وهذا سيعزز عدد المشتركين وينشط العجلة الاقتصادية، مما ينعكس إيجابًا على قطاعات متعددة ويزيد من القوة الشرائية، فينعش الاقتصاد بشكل متوازن.

وفقًا لتقديرات ميدانية، يمكن للمشاريع الصغيرة أن تخلق ما بين 50 إلى 100 وظيفة جديدة لكل 100 مشروع ناجح، وبالتالي، إذا نجحنا خلال خمسة عشر عامًا في رفع نسبة المشتركين المنتجين، سنكون قد عالجنا جذور المشكلة لا أعراضها فحسب.

ثالثًا: الاستثمار الذكي بعيدًا عن المغامرة

لا شك أن الاستثمار وحده لا يحل الخلل الديموغرافي القائم، ولكنه يظل عنصرًا حيويًا لتخفيف الضغط على نظام الضمان الاجتماعي، ويجب أن يتمحور هذا الاستثمار حول خيارات موسعة تشمل التنويع الجغرافي في أسواق عالمية مستقرة، والسعي لتحقيق عوائد معتدلة ومستدامة تتراوح بين 5-6%.

من الأهمية بمكان عدم تحويل أموال التقاعد إلى أدوات مضاربة عالية المخاطر، بل توجيهها نحو استثمارات آمنة ومدروسة، كالمشاريع في قطاع الطاقة الشمسية والأسواق العالمية المستقرة، فالهدف الأسمى ليس تحقيق أعلى ربح ممكن، بل ضمان الاستقرار المالي طويل الأمد للنظام.

في المحصلة، لا يبدأ إصلاح الضمان الاجتماعي من نسب الاقتطاع، بل من نسب التشغيل وفعالية الاقتصاد، لذا فالمعادلة ليست “كيف نقتطع أكثر؟” بل “كيف ننتج أكثر؟”.

إن التعامل مع أزمة الضمان الاجتماعي كفرصة لإعادة تحريك عجلة الاقتصاد، وتمكين المشتركين، وتوسيع قاعدة المنتجين، يمكن أن يحول هذا الملف من عبء سياسي إلى مشروع وطني شامل يهدف إلى إعادة بناء الثقة وتحقيق الاستدامة، فالضمان ليس مجرد صندوق أرقام، بل هو مرآة تعكس صحة الاقتصاد ككل، ومن هذا المنطلق، يمكن للتدرج الذي قدمته الحكومة اليوم أن ينجح، وربما يتوقف عند حد معين من التدرج إذا ما ارتفع عدد المشتركين ونما استثمار الضمان بشكل فعال.