
إعادة هندسة الضمان الاجتماعي: نحو صناديق مستقلة وقاعدة للحد من الخسائر
إصلاح هيكل الضمان الاجتماعي: ضرورة الفصل بين الصناديق
يمثل التعامل المستمر مع مؤسسة الضمان الاجتماعي كـ “حقيبة مالية واحدة” تتلاشى فيها الفروقات بين الفئات والمراكز القانونية، جوهر الخلل الهيكلي الذي يهدد السلم المجتمعي اليوم، لذلك، تتطلب مقتضيات العدالة وضرورة وقف نزيف الأموال إصلاحًا تشريعيًا جريئًا للانتقال من هذا النظام المختلط إلى منظومة “الصناديق المستقلة”، فبموجب هذا الإصلاح، يتم الفصل الواضح بين الفئات المدنية والعسكرية، وكذلك بين القطاع العام والخاص، مع تخصيص صندوق مستقل للرواتب المرتفعة التي تضخمت بسبب تشوهات القوانين السابقة.
تجنب الظلم التأميني وتحقيق العدالة الاكتوارية
يرتكز هذا المقترح على مبدأ فك الارتباط التأميني الذي يظلم الفئات الكادحة ويصب في مصلحة الفئات النخبوية أو المستثناة، فمن غير العدل أن تتحمل اشتراكات موظف القطاع الخاص البسيط تكاليف التقاعد المبكر أو الامتيازات الممنوحة لقطاعات أخرى تختلف عنها تمامًا في طبيعة الخدمة والاشتراكات، إن فصل هذه الصناديق محاسبيًا وإداريًا سيعكس الواقع الاكتواري لكل فئة بوضوح، مما يضمن أن كل قطاع يعتمد على مدخراته الخاصة، بعيدًا عن سياسة “الجباية المتبادلة” التي تستنزف الفئات المنتجة وتكافئ المستفيدين من الثغرات القانونية.
قاعدة “إيقاف الخسائر”: مبدأ النسبة والتناسب في الصرف
تأتي الإضافة النوعية التي تفرضها قاعدة “إيقاف الخسائر” متمثلة في إقرار مبدأ “النسبة والتناسب” للصرف داخل كل محفظة تأمينية على حدة، ففي حال عجز أي صندوق عن الوفاء بالتزاماته الكاملة نتيجة لسوء إدارة سابقة أو تشوهات في معادلات الاحتساب، كشراء السنوات أو تعديل رواتب السنتين الأخيرتين، فإنه لا يجوز اللجوء للاقتراض من الصناديق الأخرى أو تحميل الخزينة أعباء إضافية، بل يجب أن يتحمل المشتركون في ذلك الصندوق وحدهم تبعات العجز، من خلال صرف الرواتب المتاحة بنسبة وتناسب من القيمة الإجمالية للموجودات، وهذا يحفز الجميع على الرقابة الذاتية ويمنع التعدي على مدخرات الآخرين.
تطبيق النظام الجديد: معيار الوسط الحسابي وإصلاح موجه
إن تطبيق هذا النظام سيعيد الاعتبار لـ “الوسط الحسابي لجميع فترات الاشتراك” كمعيار وحيد وعادل لاحتساب الرواتب، مما سيجبر أصحاب الرواتب المرتفعة على قبول تصويب أوضاعهم داخل صندوقهم المستقل لضمان استدامة صرف مستحقاتهم، بدلًا من استنزاف سيولة الصندوق العام، ويعتبر هذا الفصل التشريعي كفيلًا بحسم مسألة الفئات التي تحتاج لتصويب أوضاعها دون إثارة قلق مجتمعي شامل، حيث سيصبح الإصلاح “قطاعيًا” وموجهًا بدقة لمواطن الخلل الحقيقية.
مخرج آمن للاستدامة: حماية الحقوق الأساسية وتصويب أوضاع النخبة
يكمن المخرج الوطني الآمن والأكثر حصانة للسلم المجتمعي اليوم في عدم إقرار التعديلات القسرية التي تمس الهيكل الأساسي للحقوق المكتسبة، وذلك من خلال الإبقاء على التقاعد الوجوبي عند سن الستين للذكور والخامسة والخمسين للإناث، مع الحفاظ على خيار التقاعد المبكر كحق أصيل للمشترك بحدوده الحالية ودون زيادة في عدد الاشتراكات المطلوبة، وبدلاً من تمديد سنوات الخدمة وإرهاق القاعدة العمالية الشابة، يجب أن يتركز الجهد التشريعي حصراً على تصويب أوضاع الفئات النخبوية التي استنزفت الصندوق نتيجة تشوهات القوانين السابقة، وذلك عبر إخضاع رواتبهم العليا لمعادلة الوسط الحسابي لجميع فترات الخدمة وبأثر رجعي، إن حماية الاستدامة المالية للصندوق تبدأ بوقف الهدر والامتيازات غير العادلة، وليس بمعاقبة الملتزمين بقواعد القانون والباحثين عن الأمان الاجتماعي بعد عقود من العطاء.
