تحويل المورد الطبيعي إلى ثروة مستدامة في المحتوى المحلي

تحويل المورد الطبيعي إلى ثروة مستدامة في المحتوى المحلي

في الآونة الأخيرة، تساءل العديد من المواطنين عن طبيعة “المحتوى المحلي”، بعد تعيين رئيس للأمانة الوطنية المعنية بهذا الشأن، وقد أثار هذا التعيين تساؤلات مهمة حول مفهوم المحتوى المحلي وأهدافه ودوره في الاقتصاد الوطني، لذا يسعى هذا المقال لتقديم توضيحات للرأي العام حول هذا الموضوع الحيوي، ووضعه في سياقه الصحيح باعتباره إحدى المفاتيح الأساسية لتحويل ثرواتنا الطبيعية الناضبة إلى تنمية مستدامة.

المحتوى المحلي مفهوم اقتصادي استراتيجي

المحتوى المحلي ليس مجرد إجراء إداري عابر أو شعارًا سياسيًا مؤقتًا، بل يمثل سياسة اقتصادية عميقة تهدف إلى تحويل الموارد الطبيعية إلى قيمة اقتصادية حقيقة داخل الوطن، فالاستخدام الأمثل للاحتياطيات الطبيعية لا يقتصر فقط على منح حقوق إسناد أو تخصيص حصص، بل يعتمد على مدى الاستفادة الفعلية من خلال التشغيل المحلي والمشتريات الوطنية ونقل التكنولوجيا وتطوير المهارات وتعزيز القدرات المؤسسية. التجارب الدولية أثبتت أن الفائدة الحقيقية من الصناعات الاستخراجية لا تقاس بالملكية أو بحجم الريوع المباشرة فقط، بل بعلاقة الاقتصاد الوطني بسلاسل القيمة المرتبطة بهذه الصناعات، فعلى الرغم من أن الدولة قد تحصل على عائدات مرتفعة، فإن الأثر يبقى محدودًا إذا كانت المعدات مستوردة والخدمات عالمية وسلاسل التوريد خارجية. لذا، فإن القيمة الأساسية تكمن في قدرة البلد على الاحتفاظ بجزء من الإنفاق الناتج عن هذه الصناعات داخل الاقتصاد. وعندما يتم تشغيل المواطنين في وظائف ذات قيمة مضافة، ويتم إشراك الشركات الوطنية في تنفيذ العقود، وتنتقل المعرفة والتكنولوجيا إلى الداخل، تتحول الموارد الطبيعية إلى رافعة للتنمية الشاملة. يعد المحتوى المحلي الضامن الأساسي لتفادي “لعنة الموارد”، حيث أن الدول التي اعتمدت على الريوع المباشرة دون بناء قدرات بشرية ومؤسساتية وجدت نفسها أمام اقتصاد هش يعتمد على مورد واحد، معرض لتقلبات الأسعار وغير قادر على توفير فرص عمل مستدامة، وقد شهدت البلاد ذلك بعد انهيار أسعار الحديد والذهب من 2009 إلى 2015، الأمر الذي أدى إلى تراجع الاستثمارات وركود اقتصادي كبير، كان بالوسع تجنبه لو تم الاستثمار في بناء المهارات ودعم المؤسسات الوطنية وتعزيز التصنيع والخدمات المتعلقة بالموارد، مما كان سيساهم في بناء اقتصاد حقيقي بدلاً من الاستثمار في بنى تحتية غير كفء، تشكل عبئًا إضافيًا في الصيانة والاستغلال. لذا، فإن المحتوى المحلي ليس مجرد أداة تنظيمية، بل هو استراتيجية لحماية الاقتصاد الوطني من مخاطر الاعتماد الأحادي، وهو المسار الذي يضمن بقاء القيمة داخل البلد، وتحويل الصناعات الاستخراجية من مورد قابل للنضوب إلى قاعدة لبناء اقتصاد منتج ومستدام. الفرق بين دولة تمتلك موارد طبيعية وأخرى تستفيد منها فعليًا يكمن في مدى تفعيل المحتوى المحلي، فعندما ترتكز الاستفادة على بناء الإنسان والهيئات والمعرفة، تصبح الثروة وسيلة لتحقيق التقدم، أما إذا اقتصرت على الحقوق الشكلية والعائدات المالية، فإنها قد تتحول إلى عبء اقتصادي واجتماعي، لذا يمثل المحتوى المحلي الخيار الاستراتيجي لضمان أن تكون مواردنا نعمة دائمة، لا لعنة عابرة.

التكوين الفني والمهني ركيزة أساسية

نجاح المحتوى المحلي مرتبط مباشرة بقدرة البلاد على توفير كفاءات مؤهلة تلبي متطلبات المشاريع الحديثة، لذا جاء الاهتمام بالتكوين الفني والمهني ضمن البرنامج الرئاسي “طموحي للوطن”، كأداة مركزية للإدماج المهني وبناء رأس المال البشري، يشكل اعتماد منهجية الجودة في منظومة التكوين، إلى جانب إنشاء المدرسة الوطنية للنفط والغاز، خطوة استراتيجية بالغة الأهمية، إذ يؤسس ذلك لتكوين متخصص عالي المستوى في قطاع حيوي يشهد نموًا سريعًا وطلبًا متزايدًا على الكفاءات الوطنية، كما أن الاستعداد لإطلاق قطب تكوين جديد في دار النعيم، بالتعاون مع البنك الإسلامي للتنمية، يعكس إرادة واضحة لتوسيع العرض التكويني وتحديث بنيته ومضامينه، بما يتماشى مع احتياجات سوق العمل ويرفع من قابلية تشغيل الشباب، ويعزز قدرتهم على الاندماج الفعّال في المشاريع الوطنية ذات القيمة المضافة العالية.

تصنيف شركات البناء وأثره على المحتوى المحلي

من الإصلاحات المهمة المتعلقة بتعزيز المحتوى المحلي هي الإصلاح المعني بتصنيف شركات البناء والأشغال العامة، إذ لا يمثل هذا الإصلاح مجرد إجراء تنظيمي، بل يعد أداة استراتيجية لتنظيم السوق ورفع مستوى الاحترافية، ويجب أن يشمل ذلك باقي موردي الخدمات، ليصبح التصنيف آلية لتحفيز التنافسية ورفع الجودة، ويعزز من قدرة الشركات الوطنية على لعب دور أكبر في المشاريع الكبرى، مما يعزز فعليًا أهداف المحتوى المحلي.

أهمية دعم ومواكبة الموردين المحليين

إعطاء الأولوية للمؤسسات الوطنية ليس كافيًا في حد ذاته، بل يجب أيضًا مواكبة الموردين المحليين ودعمهم لرفع قدراتهم، كي يستطيعوا المنافسة بناءً على الجودة والكفاءة، فالكثير من المؤسسات الوطنية، خاصة الصغيرة والمتوسطة، تحتاج إلى دعم في عدة مجالات كتحسين نظم الإدارة، وتبني معايير الجودة والسلامة، وتطوير الموارد البشرية، والحصول على التمويل، وتعزيز الشراكات مع الشركات الدولية لنقل الخبرة والتكنولوجيا، إن مواكبة الموردين المحليين تزيد من قدرتهم على الالتزام بالمواصفات الفنية والآجال التعاقدية، وعندما تزيد قدراتهم، فإنهم لا يكتفون بالمشاركة في المشاريع الوطنية فحسب، بل يصبحون قادرين على المنافسة في الأسواق الإقليمية، مما يفتح آفاقًا أوسع للاقتصاد الوطني.

نحو محتوى محلي فعال ومستدام

تعزيز المحتوى المحلي يحتاج إلى تكامل بين إصلاح التكوين، وتنظيم السوق عبر تصنيف الشركات، ودعم الموردين المحليين، بالإضافة إلى توفير إطار مؤسسي قوي عبر الأمانة الوطنية للمحتوى المحلي، لكن التحدي الحقيقي يكمن في بناء القدرات الوطنية بطريقة تدريجية ومدروسة، حتى تتحول الأفضلية الوطنية من إجراء تنظيمي إلى ميزة تنافسية حقيقية، ينبغي أن يكون المحتوى المحلي مشروعًا وطنيًا طويل الأمد، يهدف إلى تحويل المورد الطبيعي إلى ثروة مستدامة، وبناء اقتصاد قوي يقوم على الكفاءة والإنتاجية والعدالة في توزيع الفرص، وعندما تتكامل جهود الدولة والقطاع الخاص ومؤسسات التكوين والموردين المحليين، يصبح هذا الهدف قابلًا للتحقيق، وتتحول الثروة الوطنية إلى رافعة حقيقية للتنمية والسيادة الاقتصادية.

المهندس: الهيبة سيد الخير