
في ظل التداعيات المستمرة والاحتجاجات الواسعة النطاق على القرارات الضريبية الأخيرة، برزت مؤشرات قوية تدل على أن الحكومة اللبنانية قد تتراجع عن قرارها بزيادة 1% على ضريبة القيمة المضافة (TVA)، وتسعى جاهدة لإيجاد حلول لتخفيف تأثير ارتفاع أسعار البنزين على قطاع النقل، وتقليل انعكاساته المحتملة على أسعار السلع والمواد الغذائية الأساسية.
وقد انعكست هذه التوجهات بوضوح في تصريحات وزير المال ياسين جابر، عقب الاجتماع الذي جمعه برئيس الحكومة نواف سلام، ورئيس الاتحاد العمالي العام بشارة الأسمر، ورئيس اتحاد النقل البري بسام طليس.
تراجع محتمل عن زيادة ضريبة القيمة المضافة وإصلاح ضريبي شامل
أعلن وزير المال ياسين جابر أن الحكومة لن تصر على تطبيق زيادة الواحد بالمئة على ضريبة القيمة المضافة، وكشف عن وجود مشروع إصلاح ضريبي شامل قيد الإعداد، وسيتم إحالته إلى مجلس النواب فور الانتهاء منه، كما أشار إلى أن الاجتماع تناول تداعيات ارتفاع أسعار البنزين على قطاع النقل، وتم الاتفاق على ضرورة منع أي زيادة في أسعار المحروقات من التأثير على تعرفة النقل العام، مع التأكيد على تثبيت التعرفة المتفق عليها مع وزارة النقل.
أسباب التراجع الحكومي المحتمل
كشفت مصادر مطلعة أن من بين الأسباب التي تدفع الحكومة إلى عدم التمسك بزيادة ضريبة القيمة المضافة، هو المناخ السائد في مجلس النواب الذي يشير إلى احتمال رفض هذه الزيادة، بالإضافة إلى سعي الحكومة لتخفيف حدة التداعيات والاحتجاجات الشعبية، ويبدو أن الحكومة قد بدأت في تسريع البحث عن بدائل لتمويل زيادة رواتب القطاع العام، إلى جانب الإيرادات المتأتية من زيادة أسعار البنزين، وتشمل هذه البدائل تحصيل الرسوم والضرائب المستحقة على الكسارات والمرامل، وكذلك على الأملاك البحرية.
التركيز على ملف الكسارات لتحصيل الإيرادات
من المقرر أن يكون موضوع الكسارات وسبل تحصيل الرسوم المستحقة عليها على جدول أعمال مجلس الوزراء في اجتماعه القادم، حيث يرى مصدر وزاري أن هذا الملف يحظى بأهمية كبيرة، ويعتبر مصدراً واعداً لتأمين موارد إضافية للخزينة العامة، وتتجه الحكومة نحو تسريع إعادة المسح والمباشرة في استيفاء الرسوم، مع الاستعانة بالأجهزة الأمنية وغيرها لتحقيق هذه الخطوة الهامة، التي من المتوقع أن تدر على الدولة ما يقارب المليار دولار، وأوضح المصدر أن هذه العملية قد تستغرق بعض الوقت، لكن القرار قد اتخذ بالفعل، وسيتم المضي قدماً في هذا الاتجاه بخطوات متسارعة.
خطوات إصلاحية أخرى قيد الدراسة
أشار المصدر الوزاري إلى أن الحكومة تدرس اتخاذ خطوات أخرى مهمة، من بينها الإصلاح الضريبي الشامل، الذي يعتبر مشروعاً إصلاحياً يهدف إلى تعزيز إيرادات الدولة، مع مراعاة مبدأ العدالة الضريبية، وتسعى الحكومة من خلال هذه الإجراءات إلى تحقيق الاستقرار المالي والاقتصادي، وتلبية مطالب المواطنين بتحقيق العدالة الاجتماعية.
طعون قانونية على قرار زيادة رسم البنزين
في سياق متصل، وبعد صدور قرار الحكومة بشأن زيادة رسم الاستهلاك الداخلي على البنزين، سارعت نقابة المحامين في بيروت إلى تقديم مراجعة إبطال جزئية لدى مجلس شورى الدولة، مع طلب وقف تنفيذ قرار مجلس الوزراء وما تلاه من قرارات تنفيذية أصدرها وزير الطاقة والمياه، واستند الطعن إلى مخالفات تتعلق بالتفويض الذي استعملته السلطة التنفيذية، ومسألة تجاوز حد السلطة، وبعد أيام، قدم نواب كتلة القوات اللبنانية طعناً أشمل أمام المجلس الدستوري، يستهدف المادة 55 من قانون موازنة 2024 التي تمنح الحكومة حق التشريع في الحقل الجمركي، معتبرين أن هذا التفويض يتجاوز مبدأ فصل السلطات، ويتيح للسلطة التنفيذية فرض زيادات ورسوم من خارج الأطر التشريعية الطبيعية.
تجاوز السلطة وحدود التفويض التشريعي
يثير هذا الوضع تساؤلات حول مدى تجاوز قرار الحكومة لحدود السلطة، وإلى أي مدى يجب أن يمنح مجلس النواب الحكومة تفويضاً كالذي تحصل عليه سنوياً في الموازنة، يوضح أستاذ القانون وفيق ريحان أن مراجعة إبطال قرار رفع رسم الاستهلاك الداخلي على البنزين، بُنيت على ثلاث نقاط أساسية: حدود التفويض التشريعي وشروطه، سلامة المراجعة شكلاً، والإشكالية الجوهرية التي قد تطيح بهذا التفويض.
التمييز بين الرسم الجمركي ورسم الاستهلاك المحلي
يميّز ريحان بين الرسم الجمركي ورسم الاستهلاك المحلي، فالأول لا يمكن إحداثه أو تعديله إلا بقانون، في حين أن رسم الاستهلاك المحلي يُعد ضريبة مستقلّة يمكن لمجلس الوزراء، في إطار التفويض التشريعي، أن يتدخّل في تنظيمها، لذا، يرى ريحان أن قرار رفع رسم الاستهلاك المحلي على البنزين، وكذلك جدول تركيب الأسعار الصادر عن وزارة الطاقة والمياه، لا يخرج من حيث المبدأ عن نطاق التفويض الممنوح إلى الحكومة.
طبيعة التفويض التشريعي والإشكالية القانونية
يرى ريحان أن العيب الأساسي لا يكمن في القرار التنفيذي بحد ذاته، بل في طبيعة التفويض نفسه، فإطالة مدة التفويض حتى نهاية عام 2025، وعدم تضييق نطاقه بشكل واضح ومحدّد، يضفيان عليه طابع الإطلاق، ما يشكّل خرقاً لمبدأ المساواة أمام الأعباء العامة ولمبدأ سنوية الموازنة، وإلى جانب ذلك، يبدو أن الملف قد انتقل إلى المجلس الدستوري، الذي تلقّى مراجعة طعن بالمادة 55 من قانون الموازنة قبل كتلة القوات، وبالتالي فإن قبول هذا الطعن سينطوي على مفاعيل تلقائية على مراجعة الإبطال المقدّمة أمام مجلس شورى الدولة لتجاوز حدّ السلطة، ما يعني أن مصير قرار رفع رسم البنزين بات معلقاً على قرار المجلس الدستوري بشأن المادة 55 من قانون الموازنة، بوصفها الأساس القانوني للتفويض.
