ترامب والذهب وإيران: التهديد العسكري يعيد تشكيل الأسواق العالمية | تحقيق يكشف الأبعاد الاقتصادية والجيوسياسية

ترامب والذهب وإيران: التهديد العسكري يعيد تشكيل الأسواق العالمية | تحقيق يكشف الأبعاد الاقتصادية والجيوسياسية

تحقيق : مريم بشير

تشهد الأوساط السياسية والاقتصادية نقاشات حادة وتكهنات متزايدة بشأن الرئيس الأمريكي الحالي ترامب، فبينما تتحدث منصات التواصل الاجتماعي عن تهديدات أمريكية محتملة بشن ضربات عسكرية ضد دول معينة، يرى البعض أن الهدف من هذه التحركات هو دفع المستثمرين، الدول، والبنوك المركزية نحو شراء الذهب كملاذ آمن وتحوط مالي، مما يؤدي إلى ارتفاع سعره، ويعود هذا الجدل إلى امتلاك الولايات المتحدة لأكبر احتياطي ذهب في العالم.

في قلب هذا النقاش، تبرز حقيقة أن القانون الأمريكي يفرض احتساب الذهب الذي تملكه الحكومة بسعر ثابت وقديم لا يتجاوز 42 دولارًا للأوقية الواحدة، هذا القانون المعمول به منذ عام 1973، يتجاهل تمامًا السعر الفعلي للذهب في الأسواق العالمية والذي تجاوز 4800 دولار للأوقية، وهذا التناقض يثير تساؤلات حول القيمة الحقيقية لاحتياطيات الذهب الأمريكية وسبل التعامل معها.

المقياسالقيمة الدفترية (حسب القانون الأمريكي)القيمة السوقية التقديرية (الأسعار الراهنة)
احتياطي الذهب الأمريكيحوالي 8,133.5 طن (أكثر من 261.5 مليون أوقية)حوالي 8,133.5 طن (أكثر من 261.5 مليون أوقية)
سعر الأوقية المعتمد42 دولارًا أمريكيًاأكثر من 4800 دولار أمريكي
القيمة الإجمالية المسجلةأقل من 11 مليار دولار أمريكيتتجاوز 1.3 تريليون دولار أمريكي

تفتح هذه الفجوة الهائلة بين القيمة الدفترية والسوقية لاحتياطي الذهب الأمريكي الباب أمام تساؤلات سياسية واقتصادية عميقة، هل يمكن أن يوافق الكونجرس فجأة على إعادة تقييم احتياطيات الذهب بالسعر السوقي الحقيقي؟ وما هي التداعيات الاقتصادية والسياسية التي قد تتبع مثل هذا القرار؟ وهل التهديدات الأمريكية المتكررة لإيران، وما يرافقها من تحركات عسكرية، مرتبطة بشكل أو بآخر بهذا الملف، أم أن لها أبعادًا استراتيجية أوسع؟

رؤية عسكرية: الأبعاد الاستراتيجية تتجاوز الذهب

في تحليل شامل، يوضح اللواء محمد عبد الواحد، الخبير العسكري، أن الأحداث الجارية في المنطقة لا يمكن حصرها أو اختزالها في عامل الذهب وحده، فالحركات السياسية والعسكرية الأمريكية، بما في ذلك تحريك الأساطيل البحرية وحاملات الطائرات الضخمة، تنطوي على أهداف استراتيجية أعمق وأوسع نطاقًا، ولا يمكن تبسيطها إلى مجرد محاولة للتأثير على سوق الذهب.

يؤكد اللواء عبد الواحد أن التكلفة المادية والاستراتيجية لتحريك مجموعة قتالية كاملة لحاملة طائرات، والتي تضم مدمرات وغواصات ونحو 180 طائرة، هائلة للغاية، مما يستبعد أن يكون الدافع الوحيد لهذه التحركات هو التلاعب بأسعار الذهب، مشيرًا إلى أن الذهب قد يمثل أحد العوامل ضمن سياق أوسع، لكنه ليس المحرك الأوحد، خاصة مع ترقب فجوة في سوق الذهب قد تؤدي إلى هبوط حاد في الأسعار، وبالتالي فإن ربط جميع التحركات العسكرية بتهديد ضرب إيران بغرض رفع سعر الذهب ليس دقيقًا.

الاستراتيجية الأمريكية: الردع والسيطرة على المضائق

يشير اللواء محمد عبد الواحد إلى وجود سيناريوهين عسكريين محتملين في الأفق، الأول يتمثل في سياسة “التهديد بالضربة ثم التراجع عنها” تجاه إيران، والتي تهدف إلى فرض السيطرة والردع المزدوج على دول أخرى في المنطقة، ويؤكد اللواء أن المنطقة تشهد محاولات ترامب لفرض سيطرة جيوسياسية واسعة، حيث يرتبط جزء كبير من هذه الجهود بالتحكم في المضائق والممرات المائية الحيوية.

يوضح اللواء عبد الواحد أن الهدف الأكبر لا يقتصر على إيران وحدها، بل تتجه الضغوط الرئيسية نحو الصين، التي يعتمد اقتصادها بنسبة 85% على “الاقتصاد الأزرق”، أي التجارة البحرية عبر المحيطات والبحار، وبالتالي، فإن السيطرة على مضيق باب المندب وبحر العرب ومضيق هرمز تفرض ضغوطًا هائلة على بكين وعدد من الدول الأخرى، ويشدد على أن مضيق هرمز يعتبر “خطًا أحمر” للعالم أجمع، لذلك، بدلًا من إعلان حصار مباشر، قد يتم اللجوء إلى سياسة “احتواء إيران” ومراقبة سفنها النفطية، مما قد يؤدي إلى خفض إنتاج إيران النفطي إلى الصفر، وهو تأثير قد يكون أسوأ من الضربة العسكرية المباشرة ودون الدخول في حرب شاملة.

سيناريوهات المواجهة والمفاوضات: بين “الكي بالنار” والحرب الشاملة

أما السيناريو العسكري الثاني، فيتمثل في توجيه ضربة أمريكية سريعة ومحدودة الأهداف لمواقع إيرانية استراتيجية، يعقبها إعلان داخلي بأن العملية قد انتهت ولا تستدعي ردًا، وذلك غالبًا ما يتم في الغرف المغلقة للحفاظ على هيبة الولايات المتحدة، ويشدد اللواء عبد الواحد على أن الحشود العسكرية في المنطقة تهدف إلى ردع إيران وحصارها اقتصاديًا، مما يؤدي إلى تدهورها دون حرب مباشرة، فجميع الأطراف حذرة من الانزلاق إلى صراع شامل.

ويوضح اللواء أن النظام الإيراني، في حال شعوره بالانهيار، قد يلجأ إلى أعمال “انتحارية” عبر توجيه ضربات لأهداف أمريكية، وفي المقابل، تدرك واشنطن جيدًا قدرات إيران الصاروخية المتوسطة والطويلة المدى التي قد تستهدف القوات الأمريكية، لذا، يلجأ الجميع إلى “المفاوضات” كغطاء استراتيجي، ويختتم اللواء حديثه بالتأكيد على أن الانفتاح على المفاوضات لا يعني غياب الخيارات العسكرية، فقد يكون ذلك جزءًا من خداع استراتيجي، أو وسيلة لترويض السلوك الإيراني ومنع أي ضربة استباقية، واصفًا المشهد الإيراني بأنه سياسة “الكي بالنار”، حيث تفضل طهران التكيف مع الحصار والألم على مواجهة ضربة عسكرية مدمرة وشاملة.

توقعات سوق الذهب: بين الدين الأمريكي والتهديدات الإيرانية

في سياق متصل، يقدم أمير رزق، خبير المشغولات الذهبية، تحليلاته لسوق الذهب، موضحًا أن الارتفاع الحالي يعود إلى عمليات جني الأرباح و”الارتداد” بعد أن بدأ كبار المستثمرين ببيع كميات كبيرة من الذهب التي بحوزتهم، ويؤكد رزق أن الولايات المتحدة تمتلك احتياطيات ضخمة من الذهب، لكنها لا تزال تحتسبها في سجلاتها بسعر قديم يبلغ حوالي 42 دولارًا للأوقية، بينما يتجاوز السعر السوقي الحقيقي حاليًا 4800 دولار، وذلك لعدم موافقة الكونجرس على تعديل قانون الاحتساب، وهذا يحد من قدرة أمريكا على التلاعب المباشر بالأسعار.

ويضيف رزق أنه من الممكن أن يفاجئ الكونجرس الجميع بتغيير القانون أو تعديله، مما قد يمكن الولايات المتحدة من تسديد جميع ديونها، ويوجه رسالة طمأنة للجمهور بأن الذهب لا يزال ملاذًا آمنًا وأداة استثمارية قوية، فالحركة الحالية في السوق تتسم بتداول كبير لكنه محدود، حيث يبيع ويشتري كبار التجار بحذر، ومعظمهم يفضل الشراء وعدم البيع، مؤكدًا أن هذا الوضع مؤقت وناصحًا بعدم بيع الذهب لأنه سيعاود الارتفاع مرة أخرى.

يتوقع رزق ارتفاعًا تدريجيًا في أسعار الذهب خلال الفترة القادمة، مدفوعًا باستمرار الطلب عليه، ويشير إلى أن أي ضربة عسكرية أمريكية محتملة لإيران، إن حدثت، ستؤدي إلى ارتفاع غير مسبوق في سعر الذهب، مما يعكس دوره كملاذ آمن في أوقات التوترات الجيوسياسية.