
بينما يترقب المستثمرون بشغف تحركات أسعار الذهب على الشاشات، تشهد الكواليس تحولات أعمق يقودها كبار اللاعبين في السوق، فإشارات غير اعتيادية بدأت تلوح في الأفق، من تغيرات مفاجئة في أحجام التداول إلى سلوك سعري ينحرف عن مساره التقليدي، ما يثير تساؤلات جدية حول ما إذا كانت “حيتان الذهب” تعيد تموضعها، استعدادًا لمرحلة محورية قادمة في هذا السوق الحيوي.
الذهب يسجل مستويات تاريخية غير مسبوقة
بعد أن بلغ الذهب قممًا تاريخية غير مسبوقة، متجاوزًا حاجز 5600 دولار للأونصة بنهاية يناير، شهد السوق تراجعًا حادًا تجاوز 16% في غضون أيام قليلة، وقد فسر محللون هذا الهبوط المفاجئ بأنه “عملية تطهير للسوق” أزاحت جزءًا كبيرًا من صغار المستثمرين، مدفوعًا بشكل أساسي بعوامل فنية أبرزها رفع متطلبات الهامش من قبل بورصة شيكاغو التجارية (CME)، الأمر الذي أجبر العديد من المتعاملين على إغلاق مراكزهم قسرًا.
البنوك المركزية تواصل التجميع وتوقعات صعودية
على الرغم من هذه التقلبات الحادة، تستمر البنوك المركزية في تبني سياسة التجميع الهادئ للذهب، متجاهلة الضجيج السعري، وتشير التقديرات إلى أن مشترياتها قد تلامس 800 طن بحلول عام 2026، وهذا يمثل طلبًا هيكليًا قويًا يعكس تآكل الثقة في العملات الورقية، وتزايد التوجه نحو تنويع الاحتياطيات بعيدًا عن هيمنة الدولار.
في السياق ذاته، أطلقت مؤسسات مالية كبرى توقعات وصفت بـ”الفلكية” بشأن مستقبل الذهب، تتلخص فيما يلي:
| المؤسسة المالية | التوقع لسعر الذهب (الأونصة) | الفترة الزمنية |
|---|---|---|
| Goldman Sachs | 5400 دولار | بنهاية العام |
| J.P. Morgan | 6300 دولار | تقديرات جريئة |
من الناحية الفنية، لاحظ محللو FX Empire مؤشرات قوية على ارتداد صعودي وشيك، وذلك بعد أن لامس الذهب مناطق دعم حرجة تتراوح بين 4400 و4500 دولار للأونصة، وتُعتبر هذه المستويات بمثابة مناطق تجميع استراتيجية جديدة، حيث تستعيد القوى الشرائية الكبرى نشاطها لتشكيل قاعدة سعرية انطلاقية قوية.
على صعيد آخر، برزت دلائل على انفصال الارتباطات التقليدية داخل السوق، حيث عجزت صناديق الاستثمار المتداولة في الذهب (ETFs) عن مواكبة الزخم السعري الحاد، وقد عزز هذا التباين التكهنات حول نشاط مكثف للمستثمرين الكبار في الأسواق المادية والصفقات المباشرة، متجاوزين بذلك الأدوات الاستثمارية التقليدية، وهو ما يثير تساؤلات عميقة حول المسار المستقبلي لسوق الذهب.
الذهب: توازن بين التقلبات الحالية والتحولات الاستراتيجية
ختامًا، يبقى سوق الذهب محتجزًا بين تقلباته الحادة قصيرة الأجل وتحولاته الاستراتيجية العميقة على المدى الطويل، فبينما تُربك التحركات السعرية السريعة حسابات المستثمرين الأفراد، تواصل القوى الكبرى إعادة تموضعها بهدوء وذكاء، مستندة إلى قناعة راسخة بأن الذهب يظل ملاذًا استراتيجيًا لا غنى عنه في عالم تتصاعد فيه المخاطر الاقتصادية والمالية، ومع تزايد الشراء من المستويات المنخفضة وتصاعد توقعات المؤسسات المالية الكبرى، تظل الأنظار مترقبة لمعرفة ما إذا كان التراجع الأخير مجرد مرحلة تصحيحية، أم أنه يمثل بداية فصل جديد يعيد صياغة خريطة أسعار “المعدن الأصفر”.
