
في خطوة تعكس الاهتمام العميق بالتراث العمراني للمملكة العربية السعودية، يواصل مشروع الأمير محمد بن سلمان لتطوير المساجد التاريخية مساعيه الحثيثة لإعادة إحياء المعالم الدينية التي تشكل جزءًا لا يتجزأ من الذاكرة الوطنية، ويبرز “المسجد القبلي” في بلدة منفوحة القديمة بمدينة الرياض كأحد أهم هذه الصروح التي شملها المشروع، ليقف شاهدًا حيًا على روعة العمارة النجدية التقليدية وعراقة التاريخ الاجتماعي والإداري للمنطقة.
أهمية تاريخية وموقع استراتيجي في قلب منفوحة
يتمتع المسجد القبلي بمكانة فريدة تتجاوز كونه مجرد مكان للعبادة، فهو يرتبط ارتباطًا وثيقًا بتاريخ بلدة منفوحة العريق، وقد سُمي بهذا الاسم لوقوعه في الجهة الغربية من البلدة، واكتسب أهمية سياسية واجتماعية كبرى نظرًا لموقعه الاستراتيجي بالقرب من قصر الإمارة من الجهة الجنوبية الشرقية، وكان هذا المسجد هو الأقرب لمقر الحكم، مما جعله المصلى المفضل للأمراء وكبار رجالات الدولة في تلك الحقبة، ليصبح بذلك مركزًا لالتقاء النخبة وصناعة القرار المحلي، بالإضافة إلى دوره الروحي الأصيل.
تفاصيل العمارة النجدية ومكونات المسجد
تبلغ المساحة الإجمالية للمسجد حوالي 500 متر مربع، وقد خضع لعمليات ترميم دقيقة حافظت على هويته الأصيلة، ويتميز التصميم المعماري للمسجد بالبساطة والوظيفية التي تُعد سمة مميزة للطراز النجدي، حيث يضم:
- المصلى الداخلي والصحن الخارجي: يتميزان بالاتصال البصري المفتوح دون وجود جدران فاصلة، مما يعزز الشعور بالامتداد والروحانية.
- الخلوة السفلية: وهي ميزة معمارية ذكية في المساجد النجدية، تعادل مساحتها مساحة المصلى الداخلي، وكانت تُستخدم للصلاة اتقاءً لبرودة الشتاء وحرارة الصيف، بفضل قدرة البناء الطيني على عزل الحرارة.
- الأعمدة والأسقف: يرتكز المسجد على 33 عمودًا موزعة بانتظام هندسي دقيق في ثلاثة صفوف، وسُقفت باستخدام جذوع أشجار الأثل والنخيل، وهي مواد محلية تعكس استدامة البناء التقليدي.
تاريخ البناء والترميم عبر العقود
يعود الفضل في بناء هذا الصرح إلى البنّاء عبدالله بن مسعود، الذي شيده بأمر من الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود -طيب الله ثراه-، وقد مر المسجد بمراحل تطويرية عدة، أبرزها إعادة بنائه الثانية في عام 1364هـ (1945م)، حيث أضيفت النوافذ المربعة للتهوية والمجصصة الجوانب، وفي العصر الحديث، وتحديدًا في عام 1414هـ (1993م)، شهد المسجد أعمال تطوير استمرت لعام كامل، ليصمد حتى اليوم كآخر الشواهد الطينية المتبقية في منفوحة القديمة.
الاستدامة والحفاظ على الهوية في مشروع ولي العهد
تتم عملية تطوير المسجد القبلي حاليًا وفق أعلى المعايير التي يتبناها مشروع الأمير محمد بن سلمان، حيث يتم الاعتماد كليًا على المواد المحلية الطبيعية مثل الطين، والجص، والجريد، وسعف النخيل، ويهدف هذا النهج إلى تحقيق التوازن بين الحفاظ على الطابع التاريخي العتيق وتوفير حلول مستدامة تضمن بقاء المسجد للأجيال القادمة، كما يحرص المشروع على إشراك مهندسين سعوديين متخصصين في التراث العمراني لضمان نقل الخبرات والحفاظ على الهوية الأصيلة.
البعد الحضاري ورؤية 2030
لا يقتصر تطوير المسجد القبلي على الترميم الإنشائي فحسب، بل يصب في قلب أهداف رؤية المملكة 2030 التي تسعى لإبراز البعد الحضاري والثقافي للمملكة، فمن خلال إعادة تأهيل هذه المساجد، يتم تعزيز مكانتها كوجهات سياحية وثقافية تروي قصص التاريخ السعودي، وترسخ القيم الدينية والاجتماعية، معيدةً للمساجد دورها المحوري في حياة المجتمع كما كانت عبر العصور.
