
أكد الخبير الاقتصادي أن الحل المستدام لأزمة الديون في مصر لا يكمن فقط في تخفيض تكلفة خدمة الدين أو إعادة جدولته، وإنما في معالجة الأسباب الجذرية التي تؤدي إلى تراكمه، مشددًا على أن “الدين هو عرض لمرض”، وأن المطلوب هو سد الفجوات التي “تشفط الديون طوال الوقت”.
الإنفاق العام وحوكمته
أوضح الخبير في حوار له مع CNN أن الدولة تستدين في الأساس نتيجة ارتفاع الإنفاق العام بما يفوق القدرة والإمكانات، مضيفًا أن الإنفاق العام يحتاج إلى حوكمة أكبر، خاصة الإنفاق على الاستثمارات العامة، باعتباره أحد المكونات القليلة التي شهدت زيادة مستمرة في الموازنة خلال السنوات العشر الأخيرة إلى جانب خدمة الدين.
تغيرات في ميزانية الدعم
وأشار إلى أن الدعم لم يعد يمثل نسبة كبيرة من استخدامات الموازنة كما كان في فترات سابقة، موضحًا أنه يشكل حاليًا نحو 10% إلى 11% من الاستخدامات، بينما كان يمثل ربع الموازنة تقريبًا خلال فترات طويلة سابقة، لافتًا إلى أن حصتي الدعم والأجور تراجعتا لصالح بند خدمة الدين الذي أصبح المكون الأكبر في الموازنة العامة.
التوسع في الاستدانة والتأثيرات العالمية
وأضاف أن التوسع في الاستدانة، خاصة بعد عام 2017، جاء في سياق عالمي شهد انخفاضًا شديدًا في أسعار الفائدة، حيث كانت معدلات الفائدة قريبة من الصفر، ما شجع العديد من الدول النامية على الاقتراض الخارجي، لكن مع صدمة العرض العالمية عقب جائحة كوفيد-19، وما تبعها من أزمات جيوسياسية وحروب تجارية، ارتفعت معدلات التضخم عالميًا، واضطرت البنوك المركزية إلى تشديد السياسات النقدية ورفع أسعار الفائدة، وهو ما انعكس على تكلفة الاقتراض الجديدة.
عبء خدمة الدين على الدول
وأوضح أن الدول التي اقترضت في فترة الفائدة المنخفضة باتت تسدد ديونًا قديمة منخفضة التكلفة بديون جديدة مرتفعة الفائدة، مما يزيد عبء خدمة الدين، ويجعل الوضع أكثر صعوبة، مؤكدًا أن هذه الأزمة لا تخص مصر وحدها، بل تعاني منها العديد من الدول الناشئة.
تحذير بشأن مبادلة الديون بالأصول
وفيما يتعلق بمقترحات مبادلة الديون بالأصول، شدد على أن هذا الأسلوب لا يمثل حلاً على مستوى الدولة، موضحًا أنه قد يُستخدم على مستوى جزئي أو مؤسسي، مثل مبادلة دين بين شركة وبنك، لكنه لا يصلح كأسلوب عام لإدارة الدين السيادي، حيث قد تؤدي مبادلة الديون بالأصول إلى خسارة أصول جيدة بشكل سريع مقابل ديون تتحملها الأجيال القادمة، كما أن تكلفة التخلي عن بعض الأصول قد تكون على المدى الطويل أعلى من تكلفة الدين نفسه، ويشترط أن تتم هذه المبادلات برضا الطرفين، ولا يمكن فرضها بشكل أحادي، لأن ذلك قد يعطي انطباعًا سلبيًا للأسواق ويدفع بتدهور التوقعات بشأن الاقتصاد، ويخلق صورة عن التعثر أو الإفلاس.
تاريخ مبادلة الديون في مصر
أكد أن فكرة مبادلة الديون بالأصول ليست جديدة، فقد جرى تطبيقها في مصر منذ التسعينيات بأحجام محدودة وعلى مستويات مختلفة، موضحًا أن أكبر عملية حديثة في هذا الإطار كانت ضمن صفقة “رأس الحكمة”، حيث تم تحويل وديعة إماراتية بقيمة 11 مليار دولار إلى استثمارات داخل المشروع، معتبرًا أن هذه الصفقة كانت ضرورية في توقيتها، وساهمت في استكمال اتفاق صندوق النقد الدولي.
أهمية القطاع الخاص في الاقتصاد المصري
وفيما يتعلق بالقطاع الخاص، شدد على أهميته الكبيرة في الاقتصاد المصري، سواء الرسمي أو غير الرسمي، باعتباره أحد أهم مصادر التدفقات الدولارية، ومكونًا رئيسيًا في دعم الموازنة العامة، مؤكدًا أن تمكين القطاع الخاص يتطلب معالجة التحديات التمويلية، وضبط علاقة الدولة بالقطاع، وتخفيف المزاحمة في الحصول على التمويل، بما يعزز دوره في دفع النمو الاقتصادي وتوليد الإيرادات المستدامة.
الرؤية الشاملة لمعالجة أزمة الديون
واختتم حديثه بالتأكيد على أن معالجة أزمة الديون تتطلب رؤية شاملة تركز على ضبط الإنفاق العام، وتعزيز الحوكمة، وتحفيز الاستثمار المنتج، بدلاً من الاعتماد على حلول جزئية أو استثنائية قد تعالج جانبًا من المشكلة دون أن تنهي جذورها.
