«ثورة الجيل الجديد: آفاق مبتكرة نحو المستقبل»

«ثورة الجيل الجديد: آفاق مبتكرة نحو المستقبل»

القوة الناعمة، سلاح خفي، هل خسرنا المعركة بهدوء؟

من القدوة والرمز إلى الترند، لماذا تغيرت مقاييس النجاح؟

الجيل الجديد

لم يعد يزعجنا أن يخبرنا طفل في سن المراهقة أن حلمه الأكبر هو أن يصبح بلوجر، أو يوتيوبر، أو لاعب كرة قدم، ليس تقليلًا من شأن هؤلاء، أو لأن هذه المهن بلا قيمة، ولكن لكي يكون ناجحًا في أي من هذه المجالات، يجب أن يمتلك محتوى هادفًا، وليس له سبيل لذلك إلا عبر العالم، ولكن للأسف، صورة النجاح أصبحت مقتصرة على مشهد سريع لا يظهر فيه أي جهد أو تعب، ولا رحلة مثابرة واضحة، ولا معرفة تبدو على الأقل حقيقية خلف الكاميرا، وقلقني حقًا ليس الحلم في حد ذاته، بل الفراغ الكامن الذي يقف خلفه.

نحن أمام جيل تغيّرت فيه مفاهيم النجاح؛ لم يعد يرى الأطباء، أو المعلمين، أو الشعراء، أو الباحثين، أو الرسامين، أو الفنانين الحقيقيين، أو الكتاب، أو المهندسين كقدوات. ليس لأن هؤلاء القدوات فقدوا قيمتهم، بل لأنهم اختفوا من المشهد العام بطريقة مختلفة، أو أُزيحوا بهدوء لصالح نماذج أسهل في الربح السريع، وأكثر ضجيجًا رغم تفاهة ما يقدمونه، فالقوة الناعمة التي كانت يومًا ما معلمًا عظيمًا وهامًا للتربية، تراجعت.

الإعلام والدراما، وحتى المذيعين ومقدمي البرامج، والأغاني والفنون، لم تكن مجرد تسلية أبدًا، بل كانت تصنع الذوق والرقي، وتهذب وتشكل الوعي، وتغرس الطموح، كنا نكبر ونتعلم ونحن نشاهد في الشاشات قدوات طيبة وتحمل القيم، وفي الكلمات قيمة دون إيحاء، وفي الفن رسالة دون لفظ خادش، وفي النجاح رحلة طويلة تستحق الصبر، لأنه كان النموذج الوحيد، ولكن اليوم، كيف أصبح المشهد، للأسف، قد تغيّر تمامًا، وتبدلت الأدوار، فأصبحت السوشيال ميديا هي المصدر الرئيسي، وأحيانًا الوحيد، لتشكيل وعي الأطفال والشباب.

المشكلة هنا، بكل وضوح، ليست في المنصات، بل في المحتوى المسيطر على تلك المنصات، وفي الرسائل التي تُرسل بشكل يومي دون فلترة أو رقابة من الأهل أو شعور بالوعي الحقيقي. أن تصبح، للأسف، بلوجرًا ناجحًا ليس شرطًا أن يكون لديك محتوى جيد، يكفي أن تلفت الأنظار حتى وإن بالكذب، وهذا ليس أمرًا بسيطًا، بل هو يدمر جيلًا كاملًا، فعادة ما يأتي المحتوى الجيد من خبرة ودراسة.

لكن، للأسف، ما يراه الجيل الجديد من رموز هو قشرة الربح السريع، والشهرة، والأرقام، واللايكات، فيعتقد أن الطريق مفروش وسهل ومختصر، وأن القيمة تكمن في الظهور وليس في ما ينتج، وهنا يكمن الخلل، حين يتحول التعليم من وسيلة للارتقاء إلى عبء بلا معنى، يمكن الوصول إليه بدون جهد. عندما تُعتبر المعرفة والثقافة شيئًا قديمًا لا يتماشى مع متطلبات ورتم العصر، وحين تتبدل الحقائق وتتغير مقاييس النجاح من التأثير الحقيقي والمضمون الهادف إلى الانتشار اللحظي، يبقى السؤال المنطقي: هل افتقد الشباب القدوة؟ أم أن القدوة موجودة لكن مموهة؟

الحقيقة واضحة، أن كلا الأمرين يحدثان في ذات الوقت؛ فقد افتقد الشباب تدريجيًا نماذج مشرفة كنا نشاهدها في أعمارهم، الإعلام الهادف للأسف تراجع، والكثير من البرامج يستضيفون البلوجرز فقط لأنهم ترند، لذا قلّت الدراما الهادفة التي تحترم العقل، وتراجعت اللغة، وفقدت الأغاني الفنون والمعاني، وصارت الرسائل العميقة قليلة الوجود.

في المقابل، ماذا حدث؟ تُركت الساحة فارغة لمن لا رسالة له، لمن يملأها بما هو تافه وسهل وسريع، لا معايير واضحة، ولا مسؤولية تُذكر، ولا محاسبة، ولا سؤال عن الهدف أو التأثير السلبي، ولا محاسبة إلا من الجهات المنوطة بها على ما يُزرع في العقول، أين رقابة الشارع المصري الواعي؟

هل الطفل يُلام هنا حين يحلم بما يراه كل يوم؟

وهل يُدان الشاب حين يسعى للربح السهل ويُخبر أنه النجاح؟ حاسبوا أنفسكم قبل أن يحاسبكم الغد القريب، فلكل زراعة حصاد، والمسؤولية ليست فقط في الرقابة المؤسسية، بل أكبر من الفرد، وأعمق من مجرد خلل في الأدوار أو اختيارات شخصية.

نحن بحاجة إلى قيم وثوابت لاستعادة معنى القدوة، لا بفرضها ظاهريًا، بل بإظهار كل ما يليق فقط، نحتاج إعلامًا يستضيف الرموز المهمة المفيدة، ويبرز النماذج الحقيقية، لا بوصفها مثالية، بل إنسانية، وصلت بعد طرق وتجارب وصبر.

نحتاج دراما تعيد لنا قيمة الأسرة وتعيد الاعتبار للقيم دون وعظ، وإعلامًا وعلمًا ونجاحًا حقيقيًا دون تزييف، فالقوة الناعمة هنا تُكمل دور المؤسسات والبيوت، وليست رفاهية بل ضرورة، فهي التي تصنع الذوق العام قبل القرار، والطموح قبل الاختيار المحترم، والحلم قبل السعي، ومن دونها يسقط جزء كبير وسيمضي الجيل الجديد في طريق ضال، يبحث عن القدوة في التفاهة والترند، بدلًا من بناء عقله ووجدانه، المعركة لم تنتهِ بعد، ولكنها قائمة، ولن تُكسب بالصوت العالي والكلمات الخادشة، بل بالوعي سيفرض نفسه، وبالعودة التدريجية إلى ما كنا نظن أو نعتقد يومًا أنه بديهي، ليتضح لنا مؤخرًا أنه كنز تربينا عليه، لكن حُرم منه أولادنا.