
فينتك جيت: وكالات
على مدار سنوات، تعاملت شركات تعدين “بتكوين” الكبرى مع نشاطها كعقيدة راسخة، بقدر ما هو نموذج عمل، فقد اعتمدت استراتيجيتهم على فكرة أن العملات التي يصدرونها تستحق الاحتفاظ بها، وأن الندرة ستكافئ الصبر، وأن تراكم العملة الرقمية في الميزانية العمومية يمثل ميزة تنافسية، ونجح بعضهم في تكوين احتياطيات تُقدر بمئات الملايين من الدولارات، وأطلقوا على هذا النهج مسمى استراتيجية الخزانة، بينما اعتبره المتفائلون قناعة راسخة، لكن بعضهم بدأ في البيع الآن.
بين شركات التعدين، التي تمتلك مجتمعةً أكثر من 8 مليارات دولار من “بتكوين”، بدأت عملية تصفية هادئة لكنها متسارعة، وتتنوع الأسباب المباشرة من شركة إلى أخرى، فبعضها يواجه ضغوطاً من المساهمين، بينما يصطدم البعض الآخر بحسابات تكاليف الكهرباء وتراجع هوامش التعدين، ومع ذلك يبقى الاتجاه واحداً، حيث تتحرك العملات الآن، ووجهتها، أو بالأحرى ما يجري استبدالها به، يكشف شيئاً مهماً عن رؤية هذا القطاع لمستقبله.
الذكاء الاصطناعي يقود التحول
في العديد من الحالات، يكمُن الجواب في الذكاء الاصطناعي، حيث إن المنشآت الضخمة التي تشبه المستودعات، وإمكانية الوصول إلى كهرباء رخيصة ووفيرة، والقدرة على تشغيل بنية تحتية ذات كثافة رأس المال، وهي العوامل نفسها التي منحت هذه الشركات ميزة تنافسية في تعدين “بتكوين”، يجري الآن إعادة توظيفها، أو على الأقل إعادة تموضعها في الأسواق العامة، لتعمل كمشغلي مراكز بيانات للذكاء الاصطناعي.
تعمل شركة “مارا هولدينغز” (MARA Holdings)، ثاني أكبر حائز لعملة “بتكوين” بعد “ستراتيجي” (Strategy) التابعة لمايكل سايلور، على مراجعة استراتيجيتها بما يتيح احتمال بيع جزء من احتياطياتها التي تقارب 4 مليارات دولار، وشركتا “كلين سبارك” (CleanSpark) و”ريوت بلاتفورمز” (Riot Platforms) ذهبتا إلى ما هو أبعد من ذلك عبر إعادة هيكلة القيادة العليا لتسريع التحول نحو الذكاء الاصطناعي، أما “بيتدير تكنولوجيز غروب” (Bitdeer Technologies Group) فقد قامت بتصفية حيازاتها من “بتكوين” بالكامل، وبذلك لم يعد هذا التحول مجرد شائعة أو تحوط استراتيجي، بل أصبح يمثل الاستراتيجية نفسها.
تفوق عوائد الذكاء الاصطناعي
في حين يولّد كل ميغاواط من الكهرباء الموجهة إلى تعدين “بتكوين” عائداً يتقلب تبعاً لأسعار العملة المشفرة وصعوبة الشبكة، فإن توجيه الميغاواط نفسه إلى تشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي يتيح تحقيق إيرادات أكثر قابلية للتنبؤ، مما يجعل الفارق في هوامش الربحية بين النشاطين أكثر صعوبة في التجاهل، قال كيفن أوليري، مؤسس شركة “أوليري فاندز مانجمنت” (O’Leary Funds Management) ومقدم برنامج “شارك تانك” (Shark Tank)، والذي استثمر في شركة مراكز البيانات الكندية “بيتزيرو هولدينغز” (Bitzero Holdings): “إذا كنت معدناً لبتكوين وبإمكانك ببساطة الإعلان عن مستأجر، بحيث تتولى أحد أكبر خمسة مزودي خدمات الحوسبة السحابية الضخمة جميع عمليات التعدين لديك، فتزيل أجهزة التعدين وتستبدلها بمنشأة حوسبة للذكاء الاصطناعي، فإن سهمك قد يرتفع إلى خمسة أضعاف”، وأضاف أن “هذا لا يعني تراجع الطلب على بتكوين، بل ببساطة أن العائد من هذا التحول سيكون أفضل”.
مخاوف الأسواق بشأن “بتكوين”
أثار اتجاه شركات التعدين إلى بيع حيازاتها من “بتكوين” قلقاً متزايداً في سوق هشة أصلاً، فقد تراجعت العملة المشفرة بأكثر من 40% عن أعلى مستوى قياسي لها، والذي بلغ نحو 126 ألف دولار في أكتوبر، رغم تسجيلها ارتفاعاً بنحو 8% يوم الأربعاء، كما سعت شركة “مارا هولدينغز” إلى تهدئة المخاوف يوم الثلاثاء بشأن بيع حيازاتها من “بتكوين”، إذ نشر متحدث باسم الشركة بياناً عبر منصة “إكس” أوضح فيه أن الإفصاح المالي الأخير للشركة يُظهر أن استراتيجيتها الموسعة تسمح بعمليات بيع محتملة، لكنه لا يعني أن الشركة تعتزم تصفية الجزء الأكبر من احتياطياتها، وبعد أن تراجع سهم “مارا” بنحو 8% يوم الثلاثاء، عاود الارتفاع اليوم ليصعد بنحو 5.7%.
لم تقدم الشركة تعليقاً فورياً، وفي حين لجأت شركات التعدين في دورات هبوط سابقة إلى بيع العملات المشفرة لتغطية التكاليف التشغيلية، تمول عمليات البيع الحالية إعادة توجيه استراتيجية وليست مجرد خطوة للبقاء، كما يقول محللون إن تراجع الأسعار في الوقت الراهن قد حجب توقعات أكثر إيجابية بكثير لإمكانات أرباح هذه الشركات مع انتقالها نحو الذكاء الاصطناعي، كتب محللو “جيه بي مورغان تشيس آند كو” في تقرير بحثي هذا الأسبوع: “مكالمات إعلان الأرباح كانت إيجابية بشكل عام، وركزت بالكامل تقريباً على التقدم المحرز في توقيع صفقات الحوسبة عالية الأداء أو على تحديثات البناء والتمويل”.
ضغوط المساهمين
كما يمثل التركيز على الذكاء الاصطناعي تحولاً لافتاً بالنسبة لبعض شركات التعدين التي كانت تتباهى خلال موجة الصعود السابقة بامتلاكها أكبر حيازات من “بتكوين”، فقد ذهبت شركة “مارا هولدينغز” إلى حد شراء عملات “بتكوين” مباشرة من السوق المفتوحة، غير أن الضغوط المتزايدة من المساهمين لعبت دوراً في دفع هذا التحول، فقد تعرضت شركة “ريوت بلاتفورمز”، التي تمتلك أحد أكبر مواقع تعدين “بتكوين” في العالم بولاية تكساس، لضغوط من المستثمر الناشط “ستاربورد” (Starboard) الذي يمتلك حصة كبيرة في الشركة، لدفعها نحو تطوير مشروعات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، ولم تستجب الشركة فوراً لطلب التعليق، قال ماثيو كيميل، محلل الأصول الرقمية لدى “كوين شيرز”: “تنبع قيمة تحول معدني بتكوين نحو الذكاء الاصطناعي من توقعات الطلب على الكهرباء وإيرادات الحوسبة المتعاقد عليها مستقبلاً، وهي إيرادات أقل ارتباطاً بسعر “بتكوين” ويقدرها المستثمرون في الأسواق العامة”.
في هذا السياق، ومن ناحية أخرى، هناك العديد من الأخبار المرتبطة بالقطاع التي يمكنك متابعتها:
