
أحدث باحثون في جامعة هيروشيما نقلة نوعية في مجال السلامة الإشعاعية، بتطويرهم نظامًا مبتكرًا منخفض التكلفة ومحمولًا لقياس الجرعات الإشعاعية، هذا النظام يحوّل الهاتف الذكي إلى كاشف إشعاع ميداني قوي، مما يتيح إجراء تقييمات فورية للجرعات في الموقع بعد وقوع الحوادث النووية أو الإشعاعية.
يأتي هذا الابتكار في توقيتٍ محوري، حيث تعكف اليابان بحذر على إعادة تبني خيار الطاقة النووية، وذلك سعيًا لتلبية الطلب المتنامي على الطاقة لديها، وتحقيقًا لأهدافها المناخية الطموحة.
يعتمد هذا النظام المتطور على مزيج مبتكر من مكونات بسيطة لكنها فعالة، حيث يضم قطعة صغيرة من فيلم إشعاعي لوني خاص، وماسحًا ضوئيًا قابلًا للطي يعمل بالبطارية، وبالطبع، كاميرا الهاتف الذكي.
صُمم هذا النظام خصيصًا لتقديم تقييمات سريعة ودقيقة للجرعات على مستوى الأفراد، وهو أمر بالغ الأهمية في سيناريوهات الإصابات الجماعية، خاصةً عندما تكون الطرق التقليدية المعتمدة على المختبرات بطيئة أو مكلفة، أو حتى غير متاحة.
أكدت الدراسة على أن التقييم الفوري للجرعات على مستوى الأفراد لا غنى عنه، فهو أساسي لحماية الأشخاص من العواقب الوخيمة والآثار السلبية للتعرض للإشعاع، لاسيما بعد الحوادث النووية أو الإشعاعية واسعة النطاق.
شدد الباحث الرئيسي، هيروشي ياسودا، الأستاذ بمعهد أبحاث بيولوجيا الإشعاع والطب بجامعة هيروشيما، على الأهمية العملية لهذا الابتكار قائلًا، “لحماية الأفراد في حال وقوع حادث إشعاعي أو نووي خطير، لا بد من إجراء تقييمات ميدانية طوعية للجرعات، واتخاذ قرارات طبية سريعة وفورية، وتعد البساطة والقدرة على الاستخدام العام، بالإضافة إلى التكلفة المنخفضة، عوامل حاسمة في مثل هذه الإجراءات الطارئة”.
تقنية كاشف إشعاعي يعتمد على الهاتف الذكي
يكمن جوهر هذا النظام في فيلم Gafchromic EBT4، وهو مادة فريدة تتغير ألوانها بشكل فوري عند تعرضها للإشعاع، ورغم أن هذا التغير يمكن رؤيته بالعين المجردة، إلا أن النظام يوفر دقة أكبر، حيث يُمكّن المستخدمين من قياس الجرعة بدقة عن طريق مسح الفيلم ضوئيًا، والتقاط صورته باستخدام الهاتف الذكي، ومن ثم تحليل التغير اللوني عبر تطبيقات معالجة الصور المتاحة على الهاتف.
أوضح الباحثون قدرة النظام على قياس جرعات إشعاعية مرتفعة نسبيًا، تصل إلى 10 غراي (Gray)، وبهذه الطريقة المبتكرة، ولتوضيح مدى خطورة هذه الجرعة، فإن جرعة مقدارها 10 غراي على الجلد قد تكون كافية للتسبب في فقدان دائم للشعر.
أظهرت الاختبارات التي أجريت باستخدام نماذج متنوعة من الهواتف الذكية، مثل أجهزة سامسونغ وآيفون، أن قناة اللون السماوي (Cyan) في الصور الرقمية هي التي قدمت البيانات الأكثر ثباتًا وموثوقية، وذلك فيما يتعلق باستجابة الجرعة الإشعاعية.
على الرغم من أن الماسحات الضوئية المكتبية الاحترافية لا تزال تتفوق في الدقة، إلا أن النظام المعتمد على الهاتف الذكي يقدم توازنًا عمليًا ومثاليًا بين الدقة المطلوبة وسهولة الوصول إليه، ولتوضيح الفارق الاقتصادي، انظر الجدول أدناه:
| نوع النظام | التكلفة التقريبية | ملاحظات |
|---|---|---|
| النظام المحمول (جامعة هيروشيما) | أقل من 70 دولارًا أمريكيًا | خفيف، محمول، مناسب لمناطق الكوارث |
| معدات قياس الجرعات التقليدية | أعلى بكثير | عادةً ما تكون أكثر دقة، ولكنها أبطأ وأغلى |
وبفضل هذه التكلفة المنخفضة، يصبح النظام متاحًا لعدد أكبر من المستخدمين، كما أن خفته وقابليته للنقل تجعله مثاليًا للاستخدام في مناطق الكوارث.
صرح ياسودا قائلًا، “كان هدفنا الأساسي تصميم نظامٍ قادرٍ على العمل بكفاءة حتى في أسوأ سيناريوهات الحوادث المحتملة، مثل الأوضاع التي تعقب الكوارث الطبيعية مباشرة، حيث قد تكون البنية التحتية قد تعرضت لأضرار بالغة وتوقفت عن العمل”.
يعكف الفريق البحثي حاليًا على جهود حثيثة لتوحيد البروتوكولات التشغيلية، وضمان الموثوقية التامة للنظام، وذلك في ظل ظروف بيئية متنوعة ومتغيرة.
شارك في إعداد هذه الدراسة المهمة طالبة الدكتوراه حسنة بنتان والبروفيسور ياسودا، وقد حظيت تكاليف النشر المفتوح للدراسة بدعم كريم من جامعة هيروشيما.
تحول استراتيجية الطاقة
يبرز هذا الكاشف الإشعاعي منخفض التكلفة في خضم تحول كبير وملحوظ تشهده السياسة الطاقية اليابانية، فاليابان، بصفتها دولة جزرية شحيحة الموارد، باتت أكثر حذرًا من الاعتماد الكلي على أسواق الغاز والفحم العالمية المتقلبة، وفي الوقت ذاته، تتزايد الحاجة الملحّة لطاقة أساسية مستقرة وعاملة على مدار الساعة، وذلك لتلبية متطلبات مراكز البيانات الجديدة الضخمة ومصانع أشباه الموصلات، وهو ما لا تستطيع مصادر الطاقة المتجددة كالشمس والرياح توفيره بمفردها بشكل موثوق.
تمتلك اليابان أيضًا هدفًا ملزمًا قانونيًا يتمثل في الوصول إلى صافي انبعاثات صفرية بحلول عام 2050، وهو طموح يبدو صعب التحقيق دون الاعتماد على الطاقة النووية كجزء أساسي من المزيج الطاقوي.
تخلت الحكومة اليابانية، في عهد رئيسة الوزراء سانايه تاكاييتشي، عن التزامها السابق بتقليل الاعتماد على الطاقة النووية، وبدلًا من ذلك، حددت الخطة الأساسية السابعة للطاقة، المقرر اعتمادها في أوائل عام 2025، أهدافًا جديدة للطاقة النووية، كما هو موضح أدناه:
| السنة | نسبة مساهمة الطاقة النووية في كهرباء اليابان |
|---|---|
| 2024 (تقديري) | حوالي 9% |
| 2040 (هدف الخطة السابعة) | نحو 20% |
ويعكس هذا التغيير تحولًا استراتيجيًا واضحًا في أولويات الطاقة الوطنية.
تجسد هذا التحول بخطوة عملية ملموسة في 21 يناير 2026، حيث بدأت شركة تيبكو إجراءات إعادة تشغيل محطة كاشيوازاكي-كاريوا، التي تعد أكبر محطة طاقة نووية في العالم، ويمثل هذا الحدث سابقةً تاريخية، فهي المرة الأولى منذ عام 2011 التي يُسمح فيها لشركة تيبكو، وهي المشغلة لمحطة فوكوشيما المنكوبة، بإعادة تشغيل مفاعل.
على الرغم من هذه الخطوات، تظل ثقة الجمهور في الطاقة النووية هشة للغاية، وذلك بسبب تداعيات الكوارث والفضائح السابقة، وفي هذا السياق، يمكن للتقنيات الحديثة التي تعزز الشفافية، وتزيد من مستوى الاستعداد، وتُمكن من مراقبة السلامة ميدانيًا، أن تلعب دورًا حاسمًا في إعادة بناء هذه الثقة المفقودة.
ختامًا، على الرغم من أن النظام المحمول الذي طورته جامعة هيروشيما ليس بديلاً عن البنى التحتية للمراقبة واسعة النطاق، إلا أن سرعته الفائقة وتكلفته المنخفضة وسهولة الوصول إليه تجعله أداة قيّمة ومتاحة على نطاق واسع، ويعكس هذا التطور إدراكًا متزايدًا بأن أدوات الاستعداد على مستوى الأفراد قد تكتسب أهمية أكبر، تزامنًا مع عودة اليابان الحذرة نحو الاعتماد على الطاقة النووية.
