
تُظهر صدمة الحرب بين إيران وتأثيراتها المتزايدة على الاقتصاد المصري، حيث من المتوقع أن تضع ضغوطات متعددة على الجوانب الاقتصادية والمالية، وقد تؤدي إلى توقف بعض السياسات النقدية مثل دورة التيسير التي بدأها البنك المركزي المصري، مما يفرض عبئًا إضافيًا على الاستدامة المالية. ووفقًا لتقرير معهد التمويل الدولي، فإن الحرب تمثل صدمة خارجية جديدة تؤثر على الاقتصاد المصري، وعلى الرغم من أن الاستقرار المحلي يظل قائمًا، إلا أن استدامته مرهونة بتطور الظروف الخارجية.
التحديات الفورية للاقتصاد المصري
تكمن المخاطر الأولى على الاقتصاد المصري في ارتفاع تكاليف واردات الطاقة، بالإضافة إلى تراجع تدفقات رؤوس الأموال، وهما عاملان يمكن أن يتسارعا بسرعة ليؤديا إلى ارتفاع معدلات التضخم، وضغوط على سعر الصرف، وتهديدات مالية. ومع بداية عام 2026، كانت مصر تشهد تحسنًا في الظروف الاقتصادية الكلية، حيث تسارع النمو، وانخفض التضخم، وبدأت جهود ضبط الأوضاع المالية العامة تؤتي ثمارها، وذلك بعد سلسلة من الإصلاحات في السياسات ضمن برنامج مدعوم من صندوق النقد الدولي.
الاعتماد على الظروف الخارجية لثبات الاستقرار الاقتصادي
يؤكد معهد التمويل الدولي أن مصر ستظل عرضة بشكل كبير للصدمات الإقليمية المتمثلة في واردات الطاقة، وتدفقات رأس المال، وأسعار الغذاء. ويُبرز التصعيد الأخير في الصراع في إيران أهمية أن مسار استقرار مصر لا يزال يتوقف بشكل كبير على تطورات الظروف الخارجية.
فاتورة واردات الطاقة في مصر
يعد تراجع إنتاج الغاز الطبيعي في مصر أحد أكبر نقاط الضعف الخارجية، إذ بعد أن بلغ أقصى إنتاج له في عام 2021، بدأ يتراجع بسبب نقص الاستثمارات، وتقدم حقول الغاز، والتحديات الإنتاجية، ليصبح البلاد مستوردًا صافياً للغاز وفقًا لمعهد التمويل الدولي. وتصل أسعار الغاز الطبيعي المسال حالياً إلى ثلاثة أضعاف مقارنة بالعام الماضي، مما قد يغير بشكل كبير فاتورة واردات الطاقة قبل فصل الصيف، وهو ما يتوقعه المعهد. وقد أدى الطلب على الطاقة خلال فصل الصيف في السنوات السابقة إلى انقطاعات في التيار الكهربائي وتقنينه، وفرض عبء على النمو الاحتياطيات النقدية الأجنبية. كما أعلنت مصر الأسبوع الماضي عن زيادة أسعار الوقود والبنزين بنسب تتراوح بين 15% و22%، نسبة إلى ارتفاع أسعار النفط العالمية. وتُشير التقديرات إلى أن هذه الزيادات قد تعزز الإنفاق الحكومي على الدعم بشكل كبير، حيث أن كل دولار واحد يزيد على سعر النفط عند 75 دولاراً، يترتب عليه تكلفة إضافية بين 4 و4.5 مليار جنيه سنوياً. ويتوقع المعهد أن ترتفع النفقات بنسبة تتراوح بين 0.2% و0.55% من الناتج المحلي إذا تراوحت أسعار النفط بين 85 و100 دولار.
تدفقات رؤوس الأموال الخارجة من مصر
تشهد مصر حالياً أكبر موجة من التدفقات الخارجة لرؤوس الأموال منذ عام 2022، حيث أشارت البيانات من البورصة المصرية إلى أن التدفقات الخارجية الصافية خلال الأسبوعين الأولين من مارس تقدر بحوالي 210 مليارات جنيه، أي نحو 4 مليارات دولار باستخدام سعر صرف 52 جنيهاً للدولار، وفقًا لمعهد التمويل الدولي. ويعد هذا الحجم من التدفقات الخارجة غير مسبوق منذ منتصف عام 2022، خلال بداية حرب أوكرانيا، أو الربع الأول من عام 2020 مع بداية جائحة كورونا. وعلى الرغم من أن مصر لا تعتمد بشكل كبير على تدفقات المحافظ لتمويل الحساب الجاري، إلا أن استمرار هذه التدفقات في التراجع قد يضغط على مصادر التمويل الخارجية للبلاد، وفقًا للتقرير.
توقعات التضخم في مصر
مع استمرار هذه التحديات، تبرز مخاطر عودة التضخم إلى الارتفاع، خاصة مع انخفاض قيمة الجنيه وارتفاع أسعار الوقود والغذاء، حيث أدت التدفقات الخارجة الكبيرة إلى انخفاض قيمة العملة المحلية من 47 إلى أكثر من 52 جنيهاً للدولار. وفي ظل ارتفاع أسعار الوقود، التي تمثل نحو 10% من مؤشر أسعار المستهلك، من المتوقع أن يؤدي ذلك إلى زيادة بنسبة حوالي 2% في معدل التضخم السنوي خلال الأشهر القادمة. ويُتوقع أن يتجه البنك المركزي المصري نحو وقف دورة التيسير النقدي التي بدأها، للسيطرة على تلك الضغوط التضخمية. وخلال العام الماضي، خفض البنك أسعار الفائدة خمس مرات بمقدار 725 نقطة أساس، كان آخرها في ديسمبر 2025، ثم اتبع ذلك بخفض جديد بمقدار 100 نقطة أساس في فبراير 2026.
إيجابيات قناة السويس بعد تصاعد الصراع
من الجوانب الإيجابية التي يمكن ملاحظتها، غياب مشاركة جماعة الحوثيين في الصراع الحالي، حيث كانت الهجمات الحوثية السابقة على سفن الحاويات في البحر الأحمر سببًا في تقليل عبور قناة السويس إلى النصف، ما أثر سلبًا على إيرادات القناة التي تعد مصدرًا رئيسيًا للعملة الصعبة في مصر. ويذكر التقرير أن حركة العبور استقرت عند حوالي 40 سفينة يوميًا، إلا أن استمرار النزاع قد يؤدي إلى تأجيل التوقعات بشأن استعادة الوضع الطبيعي للقناة، التي كانت مبرمجة للعودة في نهاية يونيو 2026. وخلال حرب غزة، خسرت مصر أكثر من 60% من إيرادات قناة السويس بسبب استهداف الحوثيين للسفن المارة، الأمر الذي دفع شركات الشحن العالمية لتجنب المرور عبر القناة، قبل أن تبدأ تدريجيًا العودة إلى وضعها الطبيعي مع توقف الحرب.
