
يشهد ملف الضمان الاجتماعي مرحلة دقيقة وحاسمة، عقب إقرار مجلس الوزراء أمس الثلاثاء مشروع القانون المعدل لقانون الضمان الاجتماعي، والكشف عن تفاصيل الدراسة الاكتوارية الأخيرة، التي رسمت صورة لتحديات غير مسبوقة تهدد قدرة الصندوق على الاستمرار في دفع الرواتب التقاعدية مستقبلاً، ومع وجود أكثر من 2.1 مليون مشترك يعتمدون على الضمان كمصدر أساسي للأمان الاجتماعي، أصبحت الحاجة ملحة لتعديلات جوهرية تعيد التوازن للصناديق وتجنب الوصول إلى نقاط التعادل التي تنذر بخطر حقيقي على استدامة المؤسسة.
وفي هذا السياق، استعرض رئيس مجلس إدارة المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي ووزير العمل، خالد البكار، تفاصيل ما خلصت إليه الدراسة بشفافية تامة دون تجميل أو تهوين، كاشفاً عن 53 سيناريو تمت مناقشتها، وأبرز نقاط الضعف التي تستنزف الصندوق وعلى رأسها ظاهرة التقاعد المبكر.
دراسة اكتوارية كل ثلاث سنوات: استحقاق قانوني لا خيار
أوضح البكار أن الضمان الاجتماعي ليس خزينة حكومية، بل هو منظومة صناديق تقاعدية وتأمينية مملوكة للمشتركين والمتقاعدين، مؤكداً أن الحكومة لا تحصل على أي أموال من إيرادات الضمان، بل تسدد اشتراكات عن موظفيها شأنها شأن باقي أصحاب العمل، وأضاف أن الضمان يقوم على مبدأ تكافلي، محذراً من تكرار تجارب صناديق تقاعدية أخرى في بعض النقابات التي واجهت أزمات مالية حادة بسبب سوء التوازن بين الاشتراكات والرواتب التقاعدية.
وأشار البكار إلى أن المادة (18/أ) من قانون الضمان الاجتماعي تلزم المؤسسة بإجراء دراسة اكتوارية كل ثلاث سنوات، بواسطة خبير دولي معتمد، بهدف دراسة المركز المالي للصندوق، وتحديد نقاط التعادل، ومخاطر الاستدامة، وبين أن هذه الدراسات ليست خياراً حكومياً أو قراراً سياسياً، بل هي استحقاق قانوني يهدف لحماية أموال المشتركين، وضمان قدرة المؤسسة على الإيفاء بالتزاماتها المستقبلية.
نقطتا التعادل: الخطر الحقيقي الذي يهدد استدامة الصندوق
كشف البكار أن أخطر ما تواجهه أي مؤسسة تقاعدية هو الوصول إلى “نقطة التعادل الأولى” المتوقعة في عام 2030، وهي اللحظة التي تتساوى فيها الاشتراكات المحصلة مع الرواتب التقاعدية والنفقات التأمينية المدفوعة، يليها “نقطة التعادل الثانية” في عام 2038 وهي الأخطر والأثقل كلفة، وأكد أن الهدف من الإصلاحات هو إطالة أمد هذه النقاط لأطول فترة زمنية ممكنة، لتصل إلى 40 أو 50 أو حتى 60 سنة، كما فعلت دول عديدة حول العالم.
ثلاثة خيارات للإصلاح: الحكومة تستبعد الحلول الأكثر قسوة
أوضح البكار أن الخبير الاكتواري قدم ثلاثة عناوين رئيسية للإصلاح:
رفع اشتراكات الضمان على العامل وصاحب العمل.
تعديل معامل المنفعة الذي يحتسب على أساسه الراتب التقاعدي، فكلما ارتفع معامل المنفعة يرتفع الراتب والعكس صحيح، ويتم حسابه لمن يزيد راتبه على 1500 دينار عبر ضرب عدد سنوات الخدمة بمتوسط راتب آخر 5 سنوات ويضرب بـ2%، أما أصحاب الرواتب الأقل فيضرب بـ2.5%.
زيادة مدد الخدمة وتنظيم التقاعد المبكر.
وأكد أن الحكومة رفضت الخيار الأول لآثاره السلبية على الاقتصاد وفرص العمل، كما رفضت الخيار الثاني لأنه سيؤدي إلى خفض الرواتب التقاعدية بنسبة قد تصل إلى 35%، وهو أمر “غير مقبول اجتماعياً”.
دراسة 53 سيناريو: ضمان استمرارية الصندوق لا حلول مؤقتة
قال البكار إن خبراء الضمان الاجتماعي والاكتواريين المحليين درسوا 53 سيناريو مختلفاً، لأن كل كلمة في قانون الضمان تحتاج نموذجاً مالياً ودراسة أثر، وأوضح أن الهدف من هذه السيناريوهات هو ضمان قدرة الصندوق على تغطية رواتب المتقاعدين والبرامج التأمينية لأطول فترة ممكنة، وليس تحقيق حلول مؤقتة، وبين البكار أن فاتورة الرواتب التقاعدية بلغت 173 مليون دينار شهرياً، منها 106 ملايين دينار (61%) ناتجة عن التقاعد المبكر، معتبراً أن هذا الرقم غير قابل للاستمرار، وتساءل البكار: “هل من المنطقي أن يتقاعد شخص بعد 15 أو 18 سنة خدمة ويتقاضى راتباً تقاعدياً طويل الأمد؟”، محذراً من أن استمرار هذا النمط سيجعل التقاعد المبكر هو القاعدة، والتقاعد الوجوبي هو الاستثناء.
30 سنة خدمة كحد أدنى للتقاعد المبكر: إلغاء شرط العمر
وبين البكار أن التعديل الأساسي يتمثل بفرض حد أدنى للتقاعد المبكر وهو 30 سنة خدمة “360 اشتراكاً” دون شرط العمر، موضحاً أن هذا الإجراء يحقق عدالة أكبر بين المشتركين ويخفف الضغط المالي على الصندوق، وأكد أن شرط العمر ألغي لتجنب إدخال الناس في متاهات، بينما تم التركيز على عدد سنوات الخدمة الفعلية.
تدرج في رفع سن تقاعد الشيخوخة على مدى 11 عاماً
وأوضح البكار أن رفع سن تقاعد الشيخوخة لن يتم دفعة واحدة، بل تدريجياً بدءاً من 1/1/2028، بمعدل 6 أشهر سنوياً، ليصل الحد الأعلى بحلول عام 2037 إلى أرقام محددة يتم تحديدها لاحقاً، وأكد أنه لا مساس إطلاقاً بمن يبلغ سن التقاعد قبل نهاية 2027.
الحقوق المكتسبة محفوظة حتى نهاية عام 2026
طمأن البكار المشتركين بأن جميع الحقوق المكتسبة محفوظة حتى 31/12/2026، وأن كل من تنطبق عليه شروط التقاعد المبكر الحالية يمكنه التقاعد وفق القوانين النافذة حالياً دون أي شروط إضافية، موضحاً أن من يحقق هذه الشروط قبل هذا التاريخ ولكنه لا يريد أن يتقاعد سيحسب راتبه التقاعدي وفق الصيغة القديمة، مع إضافة أي اشتراكات لاحقة لصالحه.
استقلالية جديدة للضمان: نموذج البنك المركزي
وفيما يتعلق بالاستثمارات، قال البكار إن الحكومة اتجهت إلى تعزيز استقلالية الضمان الاجتماعي عبر:
تعيين محافظ للضمان بقرار مجلس الوزراء مقرون بإرادة ملكية.
ربط عقده وتجديده بإرادة ملكية.
إشراك ممثلي العمال وأصحاب العمل وخبراء القطاع الخاص بأغلبية مجلس إدارة المؤسسة، خاصة في الشقين التأميني والاستثماري.
واعتبر أن هذه الخطوة تهدف لتحصين قرارات الضمان الاستثمارية، ومنع أي تدخل حكومي مباشر.
باب الحوار مفتوح: لا نص مقدس في مشروع القانون
وختم البكار بالتأكيد أن مشروع القانون ليس نصاً مقدساً، وأنه مطروح حالياً للحوار عبر ديوان التشريع والرأي والمجلس الاقتصادي والاجتماعي، داعياً كل خبير أو مواطن لديه مقترحات أفضل تحفظ استدامة الضمان إلى تقديمها.
اقرأ المزيد.. الخلايلة: رفع سن التقاعد حتى 65 عاما لضمان استدامة الضمان
