
بغض النظر عما حدث مؤخرًا في انتخابات مجلس النواب، وبعيدًا عن العواقب المحتملة في المستقبل القريب، فإننا نواجه واقعًا لا بد من التعاطي معه، بغض النظر عن التحفظات والاعتراضات.. إذ لم يكن ما حدث مجرد خطأ عابر، بل كان بمثابة جرس إنذار مرتفع، وتحذير من صدمات أكبر قد تحدث إذا استمر الوضع على هذا النحو.
لحظة حرجة تتطلب الحكمة
نحن في لحظة دقيقة تتطلب حكمة، وواقعية، وبراجماتية، وليس رومانسية سياسية، فمجلس النواب المقبل لا يحتمل مزيدًا من التجارب، ولذا فإن النقلات الأخيرة على رقعة الشطرنج تعود إلى قائمة تعيينات السيد الرئيس، ورغم محدودية عددها (28 نائبًا)، فإنها تُعتبر إحدى أهم أدوات الإنقاذ المتاحة حاليًا، وهي بمثابة “كش ملك” قوية.
أهمية الإدارة الفعالة
من يدرك طبيعة العمل البرلماني يعرف تمامًا أن قلب المجلس وروحه تكمن في لجانه النوعية، فالرئيس وأمين السر في كل لجنة يعدان من أبرز الشخصيات، لأنهما يحددان نمط الأداء: إما إدارة روتينية فاشلة، أو إدارة قوية تنعكس على المجلس بأكمله، ويزيد صداها شعبيًا، لذا فإن دعم البرلمان بقيادات ذات خبرة لم يعد خيارًا، بل هو واجب.
ضرورة وجود قيادات خبيرة
لقد وصلنا إلى وضع لا يحتمل ظهور أشخاص يسألون عن مكان الفرامل وموضع البنزين وكيفية عمل المحرك، بينما تسير السيارة بالفعل وسط عواصف إقليمية عنيفة، ومطبات داخلية متلاحقة، نحن بحاجة إلى قيادات خبيرة، وليس إلى توازنات صورية أو وجوه للاستهلاك الإعلامي، وعلى هذا الأساس، فإن قائمة التعيينات ليست مجرد إجراء شكلي أو ترف سياسي، بل ضرورة إنقاذية، بشرط أن تضم أصحاب خبرة حقيقية، لا أصحاب ظهور إعلامي أو علاقات شخصية.
تحديات الكوتة والقائمة
لقد أساءت “الكوتة” للصورة السياسية العامة، وأسهمت “القائمة” في إضعاف المشهد الانتخابي، مما يجعل عملية الإنقاذ ضرورة ملحة، خاصة بعد تدخل السيد الرئيس بنفسه، فلا ينبغي أن نرفع شعار “نموت نموت ويحيا المجلس”، فالأمر فعلاً مرهق لكل المؤسسات.
الازدواجية في البرلمان
عندما يتحدث الوعي الشعبي عن “البرلمان”، فإنه يقصد مجلس النواب تحديدًا، حتى وإن كان البرلمان في الحقيقة يتكون من غرفتين: الشيوخ والنواب، لقد كنت نائبًا في مجلس الشيوخ لخمس سنوات، واجتهدنا فيها بشكل ملحوظ، وقدمنا أعمالًا كثيرة داخلية وخارجية، لكن محدودية سلطات الشيوخ جعلت عائد هذا الجهد محدودًا، لذا أيًا كان ما حدث في انتخابات الشيوخ فيمكن تجاوزه، لكن ما حدث في انتخابات النواب لن يتم تجاهله أو تمريره، فالمشهد يحتاج إلى إنقاذ فعلي.
خبرة شخصية ورؤية واضحة
حديثي ليس من فراغ، بل مستند إلى تجربة ممتدة، حيث عملت في القطاع الخاص، وفي العمل مع حركة المعارضة المصرية، ثم قضيت سنوات في الجهاز التنفيذي، مستشارًا لوزير التخطيط، وبعدها عملت كنائب في مجلس الشيوخ لمدة خمس سنوات، بالإضافة إلى انضمامي لتنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين كمستقل، جميع هذه التجارب منحتني رؤية واضحة لمكامن الخلل الواجب إصلاحه.
تحديات مصر اليوم
تمر مصر بواحدة من أخطر لحظات التحدي الاستراتيجي في تاريخها الحديث، حيث كانت عقيدة الدولة والجيش خلال عقود طويلة قائمة على أن العدو كامن في الشمال الشرقي، مع اعتقاد بأن المحيط الإقليمي آمن، ولكن اليوم، اشتعل كل شيء: حدود شرقية ملتهبة وسط تربص دولي، وحدود جنوبية تغلي، وحدود ليبية تحترق، ومياه يخططون للتلاعب بها في الجنوب، وملف غاز مضطرب في الشمال، مع صعود قوى الخليج علميًا وسياسيًا، حيث لم يعد الجميع يمتلك امتنانًا تاريخيًا لمصر، مما يفرض أن تكون الجبهة الداخلية خطًا أحمر لا يمكن المساس به، وبذلك، فإن البرلمان الضعيف ليس مشكلة برلمانية فحسب، بل هو مشكلة وطنية.
دعوة للتدخل والدعم الحقيقي
ولذا جاءت أهمية تدخل السيد الرئيس ودعوته لمعالجة ما جرى، فالبرلمان يحتاج إلى دعم حقيقي لإدارة التوازنات الدقيقة وممارسة دوره الدستوري الكامل، حيث إن السلوكيات الإدارية الجيدة، والأداء البرلماني المحترف قادران على تعويض بعض ما شاب عملية الميلاد.
سؤال ملح حول الإنقاذ
السؤال الآن ليس: من سيدخل البرلمان؟ ولكن: هل سيدخل من يستطيع إنقاذه؟ فهذه ليست معركة سياسية، بل هي معركة وطن يسعى لاستعادة توازنه الداخلي قبل كل شيء آخر، أرجوكم.. أنقذوا البرلمان القادم.
