
صدر الصورة، Getty Images
التعليق على الصورة، الملوخية على الطريقة المصرية
إذا كنت من مواليد النصف الثاني من مايو/أيار – مثلي – فإن برجك سيكون برج المشمش والمكسرات، بحسب تقويم قديم وضعه تاجر مسيحي من الإسكندرية، أما إذا ولدت بين منتصف نوفمبر/تشرين الثاني ومنتصف ديسمبر/كانون الأول، فبرجك هو برج الملوخية، بدقة أكبر، سيكون في الغالب برج الملوخية، لأن أوراق الملوخية الخضراء تشبه كثيرًا النبتة الموجودة في ذلك التقويم القديم الذي يعود للقرن السادس الميلادي، كما تفسر منة الله الدري، المصرية الحاصلة على دكتوراه في علم المصريات بتخصص تاريخ النباتات الأثرية.
تعود هذه الإشارة إلى عقود سابقة، ولقصة التاجر والراهب كوسماس إنديكوبليوتس، الذي لم يقتنع بالعلامات التقليدية للأبراج، فاستخدم مواسم المزروعات، بما في ذلك الملوخية، بدلاً عنها، وكانت سبب هذه العودة للنقاش، شجار بين لبنانيين ومصريين، لم يكن حول موضوع سياسي أو عسكري، بل بسبب طبق الملوخية.
هذا الطبق الشهي والشهير في كلا البلدين، تسبب في معركة افتراضية بدأت مع تغريدة على تويتر من شابة سورية وصفت فيها شوربة الملوخية بأنها “مقرفة”، وبعد انتقادات متعددة، اعتذرت وقالت إنها لم تكن تعرف أن الوصفة مصرية.
وعليه، بدأ كل طرف يدعي امتلاك “الوصفة الصحيحة” لإعداد الملوخية، رغم محاولات التهدئة التي لم تنجح.
تنزعج منة الله الدري من هذه المشاجرة، حيث ترى أن التعصب القومي يضر بعراقة المطابخ المختلفة ويغفل عن قصص تبادل الثقافات، ولذلك، فإن الأهم هو تناقل قصص هذه الطبخات.
لذا، سأجمع هنا وصفات متعددة لإعداد الملوخية، بالإضافة إلى قصص وذكريات تاريخ هذا الطبق وأسرار إعداده.
صدر الصورة، S. Weingarten, 2008. Artwork: M. Saba for Rawi Mag
التعليق على الصورة، يظهر عند برج القوس صورة يعتقد أنها أول تصوير لحزمة ملوخية
صدر الصورة، S. Weingarten, 2008. Artwork: M. Saba for Rawi Mag
التعليق على الصورة، الأبراج التقليدية ومقابلها من الخضار
“أصلها مصريّ”
الاختلاف الكبير بين طرق إعداد الطبق يمكن تلخيصه في أن المصريين يفرمون الأوراق الخضراء ويقدمونها كشوربة، بينما يفضل اللبنانيون الاحتفاظ بأوراق الملوخية كما هي، حيث يبقى شكلها كما هو، وتكون مرتبة فوق بعضها على شكل طبقات.
تحدثت مع الخبيرة في فن الطهي، أنيسة الحلو، التي ألفت كتبًا طبخ بالإنجليزية والفرنسية، وأوضحت أنها حصلت على جوائز عالمية، حيث تدرس فن الطهي في إيطاليا، مفاجئة بأنها لا تحب الملوخية، مما جعلني أعيد النظر في صعوبة إيجاد أشخاص لا يحبون هذا الطبق.
استرجعت أنيسة ذكرى عالقة في ذهنها، حيث كانت في صغرها على شاطئ فندق السان جورج في بيروت، وكان الغداء مكون من الملوخية، لكنها رأت تلك اللزوجة في الطبق ولم تتناول الطعام، ما جعلها تشعر بالعزلة بين الآخرين الذين أحبوا الطبق.
في أحد كتبها، سردت تلك الحادثة أثناء تقديم وصفة ملوخية الدجاج، التي تعلمتها من والدتها اللبنانية، مضيفة أن الاعتقاد السائد هو أن “أصل هذا الطبق مصريّ”.
تقول: “لطالما كان يثير اهتمامي بحث الأشخاص عن الأصل، خاصة الأطباق الأيقونية مثل الملوخية، لكن ليس من السهل تحديد الأصل، وعندما كتبت أول كتبي قبل 30 عامًا، كان من الصعب إيجاد مراجع تاريخية.”، وتضيف: “لحسن الحظ، ساعدتني صديقتي المصرية في التعرف على د. الدري، المتخصصة في تاريخ النباتات.”.
تؤكد منة الله الدري أنها شبه متأكدة من أن “المصري القديم لم يعرف الملوخية، فلا توجد رسوم من مصر القديمة تشير إلى وجودها”، وتضيف أن “أول دليل” على وجود الملوخية يعود للقرن السادس الميلادي في “تأريخ الخضراوات”، الذي وضعه التاجر الاسكندراني، بينما يشير دليل آخر للقرن الحادي عشر حيث أصدر الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله قرارًا بمنع تداول الملوخية، ما استمر لعامين.
ولم توضح منة الله أسباب ذلك المنع لعدم اقتناعها بأسباب المنطقية المذكورة، بينما يعود الدليل الثالث للقرن الرابع عشر الميلادي، حيث ذُكر هذا الطبق في كتاب “كنز الفوائد في تنويع الموائد”، الذي يشبه تحضير الملوخية الحالي في مصر.
إذاً، لا يزال هناك أدلة تشير إلى بداية زراعة الملوخية في مصر، لكن هذا لا يلغي احتمال أن تظهر أدلة أقدم من مناطق أخرى في العالم.
صراع هويّة؟
تعتبر أنيسة أن الأمر لا يصل إلى درجة الشجار، حيث توضح الشيف أن الموضوع هنا مختلف عما يحدث في “حرب الحمص والفلافل” بين الفلسطينيين واللبنانيين من جهة والإسرائيليين من جهة ثانية، والتي تعتبر صراعًا على الهوية، بينما في حالة الملوخية، يتعلق الأمر بالفخر الوطني.
ربما لا يكون المطبخ المصري من أبرز المطابخ عالميًا، لكن أنيسة تضيف أنه متخصص في أطباق فريدة، مثل الفطير والكشري والحمام المحشي والملوخية المصرية.
وجدت على الإنترنت تسعة كتب لشيف أنيسة، التي تهدف من مشروعها التوثيقي “حفظ التراث للأجيال القادمة”.
وعلى الرغم من رفض منة الله للدخول في “تعصب قومي” بسبب الأطباق، إلا أنها تعتبر توثيق تاريخ الطعام مهمة مهمة، حيث نعبّر عن هويتنا من خلال الأكل.
أسرار إعداد طبق الملوخية على الطريقتين اللبنانية والمصرية
اختلافات كثيرة توجد في إعداد الملوخية، حيث هناك عائلات كثيرة في كلا البلدين تعد الطبق وفق طرقها الخاصة، وغالبًا ما تسمع أن فلان من عائلة معينة يجيد إعداد الملوخية أكثر من غيره.
هذه الوجبة لا ترتبط بمناسبة محددة، بل تعتبر مناسبة في حد ذاتها لكثير من العائلات، وهي متوفرة طازجة أو مجففة.
تحدثت مع الشيف المصرية فاطمة أبو علي، التي تقدم برنامج “أكلة العيلة” على قناة محلية، وأوضحت أن المصريين يمكنهم إعداد الملوخية بالأرانب أو البط أو الجمبري أو الدجاج أو اللحم المسلوق.
المميز لدى المصريين استخدام “مخرطة” الملوخية لفرم الأوراق، حيث يتم فرم 6-7 فصوص ثوم كبيرة وإضافة ملعقة كبيرة كزبرة جافة مع قليل من الملح، ولا بد من حفظ هذه المكونات جانبًا.
لإعداد الشوربة، تُغلى في وعاء البصل والجزر والكرفس وملح وفلفل وثوم مدقوق ومرق ونصف ملعقة سكر؛ للحفاظ على اللون الأخضر للملوخية.
تُغسل الملوخية جيدًا وتُجفف بعيدًا عن الشمس، ثم تُضاف رشة كربونات مع السكر، وتُقطف الأعواد ويُفصل الورق باستخدام المخرطة التقليدية.
تُترك الشوربة تغلي، ثم تضاف الملوخية المفرومة، ويفضل عدم تركها على النار كثيرًا، ثم تُحمّر فصوص الثوم مع الكزبرة الجافة.
يقدم الطبق مع نوع اللحم المفضل، وأرز بالشعيرية، وباذنجان مخلل، وخبز بلدي، وبعض الأهالي من بعض المحافظات يفضلون إضافة الطماطم المبروشة.
تقول فاطمة إن اللزوجة، التي تكون أحيانًا في الملوخية، هي ما ينفر الناس، وأشارت إلى أن أشواك أوراق الملوخية هي السبب؛ لذا يجب عدم ترك الأعواد.
وأيضًا، هذا السر تعلمته أنيسة الحلو، التي تضيف عصير الليمون للمرقة قبل طهي الملوخية، مع ضرورة عدم تقطيع الورق.
تمتاز طريقة أنيسة في تقديم الأطباق بقدرتها على الجاذبية، حيث تضع قطع الخبز المحمّص في أسفل الصحن، وفوقها الأرز، ثم قطع الدجاج المسلوق، وتُغطى بأوراق الملوخية المطبوخة مع الكزبرة والثوم.
أما عن نفسي، فقد أسعدتني اكتشاف علب الملوخية المجففة في المحلات العربية والتركية بلندن، وعندما تعلمت إعداد وصفة والدتي مع الدجاج والأرز، وجدت الوصفة قريبة جدًا من البلدي.
