
لا يمكن تجاهل الخطاب التاريخي الذي ألقاه رئيس الوزراء الكندي مارك كارني خلال المنتدى الاقتصادي العالمي في مدينة دافوس السويسرية، حيث تضمن انتقادات حادة للنظام الدولي الحالي، ورؤى كاشفة حول التحولات في موازين القوة العالمية.
أهمية مضمون خطاب كارني
إن مضمون خطاب كارني ليس مهمًا لأنه يكشف عن حقائق غير معروفة، بل لأنه يعكس تأكيدًا لمعارف غير معلنة، فالأعضاء في المنتدى الاقتصادي العالمي لا يملكون الجرأة للتصريح بذلك، نظرًا لما يمثله هذا المنتدى من نفوذ اقتصادي عالمي لعقد الصفقات وخدمة المصالح، ورغم كونه خطابًا متوقعًا من أوروبا، الطرف المباشر في النزاع التجاري مع واشنطن، إلا أنه جاء من رئيس الوزراء الكندي الذي دعا إلى بناء منظومة عالمية جديدة تستند إلى الاكتفاء الذاتي، وتعزيز التعاون بين القوى المتوسطة مثل كندا، لمواجهة ما أسماه بـ«التسلط الأمريكي الجديد».
استحياء من الماضي
استحضر كارني في خطابه مقالًا بعنوان «قوة من لا قوة لهم» للمنشق التشيكي فاتسلاف هافيل، الذي تساءل كيف تمكن النظام الشيوعي من الاستمرار، وقدم إجابة عبر قصة بائع خضار يضع لافتة على نافذة متجره مكتوبًا عليها: «يا عمال العالم اتحدوا» رغم عدم إيمانه بذلك، مما يبرز الامتثال والتعايش.
العيش في كذبة
يستمر النظام ليس فقط من خلال العنف، بل من خلال مشاركة الناس العاديين في شعارات يعرفون في قرارة أنفسهم أنها كاذبة، ووصف هافيل ذلك بـ«العيش داخل كذبة»، فالقوة لا تأتي من واقع النظام، بل من رغبة الجميع في التصرف كما لو كان حقيقيًا، وهشاشته تبرز عندما يتوقف شخص واحد عن التظاهر، ولذلك دعا كارني الشركات والدول لعدم الاعتماد على المنظمات العالمية مثل منظمة التجارة العالمية والأمم المتحدة، التي باتت مهددة.
استراتيجية استقلالية
أشار كارني إلى ضرورة تطوير استراتيجية استقلالية أكبر في مجالات الطاقة والغذاء والمعادن، مبرزًا التحذير التقليدي الذي سبقه إليه كثيرون مثل جبران خليل جبران: «ويلٌ لأمة تأكل مما لا تزرع، وتلبس مما لا تخيط»، وأكد أن الدولة التي لا تستطيع إطعام نفسها أو تأمين طاقتها أو دفاعها ستكون خياراتها محدودة، وعندما لا تعود القواعد تحميك، يجب عليك حماية نفسك.
الإقرار بالواقع
واعترف كارني بأن كندا وغيرها يحملون «اللافتة الكذبة» لحماية مصالحهم، موضحًا أن الأقوى يستثنون أنفسهم عند الحاجة، وأن قواعد التجارة تُطبق بصورة غير متكافئة، كما أن القانون الدولي يُطبق بشكل متباين حسب الهوية، وأكد أن الهيمنة الأمريكية أعطت رواية مفيدة، وهذا الاتفاق لم يعد صالحًا الآن.
العزلة والفرص
وحذر كارني من عالم القلاع حيث العزلة بين الدول الثرية والدول الفقيرة، واقترح نموذج كندا التي قررت توسيع شراكاتها مع العديد من الدول مثل الاتحاد الأوروبي والصين وقطر، مؤكداً أن من لا يختار الجلوس على الطاولة سيكون ضمن قائمة الطعام.
رسائل رئيسية من خطاب كارني
احتوى خطاب كارني على مصطلحات فارقة مثل: قوة القيم، قيم القوة، والترهيب الاقتصادي، وأكد على ضرورة الموازنة بين رعاية المصالح والتمسك بالقيم، كما شدد على أهمية مجابهة غطرسة الدول القوية من خلال بناء تحالفات وشراكات مع الدول متوسطة القوة لضمان اقتصاد مستدام وأمان جيوسياسي.
دعوة للتغيير والتعاون
وختامًا، دعا كارني إلى أن الحنين للماضي ليس استراتيجية، فمما يُمكن بناء شيء أكبر وأكثر عدلاً من رحم هذا الكسر، وهذا هو هدف القوى المتوسطة التي لديها الكثير لتخسره من عالم القلاع والكثير لتكسبه من التعاون الصادق، مشددًا على أهمية القدرة على التوقف عن التظاهر وتسمية الواقع لبناء القوة داخليًا والعمل معًا، هذه هي «طريق كندا».
أهمية القوة الداخلية
لم يُؤخذ كارني في خطابه المختلف بالعاطفة كليًا، بل كان واقعياً في مخاوفه، مؤمنًا بضرورة بناء القوة الداخلية قبل الاعتماد على أي منظومة خارجية، وتأكيد الحاجة لتنويع الشراكات سواء من حيث الموقع أو المحتوى لضمان الأمان، والتأكيد على تأمين الدفاعين الاقتصادي والعسكري معًا، من دون إهمال أي منهما مما قد يُهدد الأمان الاجتماعي، فهو صمام الأمان وشريان الحياة.
حصة البادية أكاديمية وشاعرة عمانية
