
في كل موسم رمضاني، تتجاوز الدراما المصرية قصص الحب والصراعات العائلية المعتادة، لتخصص مساحة واسعة لعلاقة إنسانية لا تقل تعقيدًا وتأثيرًا وهي الصداقة، هذا العام، تُعرض على الشاشة نماذج متنوعة من الأصدقاء، بدءًا من “الجدع” الداعم، وصولًا إلى “المصلحجي”، و”المزواج”، و”الخائن”، مقدمةً صورة شاملة تعكس واقعًا اجتماعيًا يعيشه الجمهور يوميًا.
في خضم ضغوط الحياة المتسارعة، وتزايد الأعباء الاقتصادية والنفسية، يصبح وجود صديق داعم ضرورة ملحة لا ترفًا، لذلك تحرص الدراما على استكشاف هذه العلاقة بعمق، بوصفها ملاذًا إنسانيًا في مواجهة أزمات العمل، وضغوط الأسرة، وتعقيدات العلاقات العاطفية.
اللافت هذا العام أن الأعمال الدرامية لا تكتفي بتقديم الصديق المثالي دائمًا، بل تتعمق في إظهار تناقضاته وضعفه وأحيانًا أنانيته، فنجد الصديق الذي يحرض على التمرد، وآخر يسعى للإصلاح، وثالث ينجرف خلف المصلحة لكنه لا يخون، ورابع قد يتعثر أخلاقيًا.
هذه التنوعات تعكس فهمًا أعمق لتعقيد العلاقات الإنسانية، فالصداقة، شأنها شأن أي علاقة، تمر باختبارات قاسية، خاصة في ظل الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها كثيرون اليوم، ومع تزايد الإحساس بالوحدة رغم الزحام، تصبح صورة الصديق الجدع على الشاشة بمثابة رسالة طمأنة للجمهور.
عين سحرية.. الصديق بين المصلحة والوفاء
في مسلسل “عين سحرية”، يبرز نموذج مركب للصديق من خلال شخصية “توحة”، رفيق الفنان عصام عمر، ورغم أن توحة يظهر في كثير من المواقف كشخصية مادية تسعى وراء المال بأي وسيلة، فإنه يظل متمسكًا بخيط الوفاء لصديقه، فلا يخونه ولا يتركه في أزماته، بل يتحمل معه العواقب ويواجه المصاعب.
هذا النموذج يعكس واقعًا شائعًا في المجتمع: صديق قد تختلف معه أخلاقيًا أو في طريقة تفكيره، لكنه حين تأتي لحظة الاختبار الحقيقي يثبت أنه “جدع” وقت الشدة، وهنا تطرح الدراما سؤالًا مهمًا: هل تُقاس الصداقة بالكلام والمظاهر، أم بالمواقف الصعبة؟
كان ياما كان.. بين التحريض والاحتواء
أما في مسلسل “كان ياما كان”، فتتعدد صور الصداقة النسائية والرجالية معًا، تجسد الفنانة يسرا اللوزي علاقة صداقة مع شخصية سمر، التي تدفعها باستمرار إلى الخروج والسهر وكسر القيود، في نموذج للصديقة التي ترى الحياة من زاوية مختلفة، وربما تمثل صوت المغامرة والتمرد.
في المقابل، يظهر يوسف عمر بدور الصديق الوفي للفنان ماجد الكدواني، حيث يساعده على لمّ شمل أسرته والعودة إلى زوجته السابقة.
وهنا تقدم الدراما وجهًا آخر للصديق، ليس فقط رفيق سهر أو مشاركة يومية، بل داعمًا حقيقيًا يسعى لإصلاح حياة صديقه حتى لو تطلب الأمر تدخلًا مباشرًا في قراراته المصيرية.
اتنين غيرنا.. الصديق الكوميدي والمنقذ
وفي مسلسل “اتنين غيرنا”، تتخذ الصداقة طابعًا كوميديًا اجتماعيًا، تظهر شخصيات تورط أصدقاءها في مواقف طريفة وأحيانًا محرجة، بينما يسعى آخرون إلى إنقاذ أصدقائهم من الوقوع في فخ الخيانة أو الانهيار الأسري.
كما تقدم الفنانة فدوى عابد نموذج الصديقة التي تجمع بين دور الأم والأخت الكبرى لصديقها الذي يجسده آسر ياسين، فتوجهه وتحتويه وتدعمه نفسيًا.
هذا النموذج يعكس نوعًا من الصداقة الناضجة، التي تتجاوز الضحك والمشاركة اليومية، إلى الرعاية والاحتواء وتحمل المسؤولية المعنوية.
