دراما رمضان 2026 تتناول تطورات علاقة الأم القديسة والأم الجانية بشكل درامي مثير

دراما رمضان 2026 تتناول تطورات علاقة الأم القديسة والأم الجانية بشكل درامي مثير

لطالما كانت صورة الأم في الدراما المصرية تتسم بالتقدير والتبجيل، حيث تُعتَبَر قلب الأسرة، الذي يتحمل الصعاب ويواسي الجميع، والكتف الذي يستند عليه أفراد العائلة، كما توصف بأنها “شمعة تحترق من أجل الآخرين”؛ فتبدي تضحيات مستمرة برغباتها، وتهدر صحتها من أجل استقرار العائلة، مما جعلها رمزًا للأخلاق وليس مجرد شخصية درامية عابرة.

تغيرت الصورة النمطية للأم خلال رمضان هذا العام

فقد برزت أحيانًا كمرادف للصراع، وشخص يؤذي بدون وعي أو حتى عن قصد، الأمر الذي لا يعني بالضرورة تقديم شخصيات أم أكثر تعقيدًا أو إنسانية، وهو أمر مطلوب، بل هو استبدال لنموذج آخر، حيث أن الأم التي تقدم التضحية تُبرز أحيانًا كأنها أنانية أو جانية، وكأن الدراما المصرية تقتصر على تقديم نماذج متناقضة بين القديسة والشريرة، مع غياب الصورة الواقعية والمتوازنة للأمومة.

الطلاق والخطيئة التي تلاحق الأنوثة

في سياق ذلك، تقدم العديد من الأعمال التلفزيونية تصورًا خاصًا للأم الجانية، من خلال إظهار قرار الطلاق بصفته خطيئة أساسية، وليس كحق مشروع أو نتيجة لمسار حياة طبيعي، إذ يتم التركيز على أنه سبب رئيسي في فقدان توازن الأسرة وتعاسة الأبناء.

في مسلسل “كان ياما كان”، تظهر الأم/يسرا اللوزي، كشخصية أنانية تعيش أزمة منتصف العمر، وتحاول اللجوء للطلاق كوسيلة لتحريك مياه حياتها الراكدة، لكن النص لا يمنح هذا القرار دعمًا شرعيًا، بل يُظهر أنها أدت ثمن أنانيتها من خلال علاقاتها غير المستقرة مع رجلين استغلاها، ويؤدي ذلك إلى تدمير استقرار حياة ابنتها ومعاناتها.

وفي مسلسل “بابا وماما جيران”، يُكرر النمط نفسه بشكل ظاهر أقل، إذ تختار الأم/ميرنا جميل، الطلاق كي تركز على مستقبَلها الفني، وهو اختيار يُقدَّم كنزوة خاصة على حساب استقرار الأسرة، مع أن الدراما لا تتطرق بتفسير معنى هذا القرار أو خلفياته.

أما في مسلسل “أب ولكن”، فتتراجع شخصية الأم/هاجر أحمد عن قدراتها في التعامل مع مسؤولياتها اليومية، وتفشل في الاعتناء بنفسها وأسرها، ليصبح الطلاق هنا مؤشرًا للفشل والأزمة في حياة الأم.

وهذا الربط بين شخصيات الأم وقرار الطلاق يعكس تصورًا دراميًا يُصوِّر إنهاء العلاقة الزوجية على أنه السبب العميق في انهيار الأسرة، متجاهلاً التعدد في الأسباب والظروف المعقدة التي قد تؤدي إلى الطلاق، حيث يُصوَّر كل شيء بشكل مبسط يركز على تصعيد المشكلة الناتجة عن أفعال الأم.

غياب التمعن في تجربة الأمومة وتناقضاتها

لا تعمل هذه الأعمال على تفكيك واقع الأمومة المعقد أو الاعتراف بتناقضاتها، إلا أنها تكتفي بعرض ثنائية نمطية متطرفة بين الأم التضحية والأم الشريرة، التي تهدم الأسرة، وهو تصوير يبتعد عن حقيقة الحياة وتحول الشخصية إلى مجرد أدوات درامية.

يبدو أن الكتابة تتجاهل الجوانب الإنسانية والتحديات التي تواجه المرأة في دور الأم، مما يؤدي إلى تصوير سطحياً وتصنيفيًا للأدوار. ورغم أن بعض المسلسلات، مثل “كان ياما كان” و”أب ولكن”، تأليف نسائي، إلا أن الأزمة تتعلق بعدم تقديم دراما واقعية تعكس تنوع وشمولية مشاعر وتجارب الأمومة، وتقتصر على تقديم شخصيات نمطية تتسم بالسلبية أو الإيجابية المطلقة، بدلاً من إبراز التوازن بينهما.

صور نماذج الحموات في رمضان هذا العام

بالإضافة إلى سطوة صورة الأم المذنبة، تستمر دراما رمضان في تقديم نموذج الحماة أو الجدة، كشخصية ذات تأثير خفي يثير الصراع داخل الأسرة، وهو نمط كانت السينما تتبناه منذ عقود، ويُظهر النساء من الأجيال الأكبر، غالبًا على أنهن متسلطات تفسد حياة الأبناء، بدلًا من أن يكونن شخصيات محبة وحنونة، كما يظهر في مسلسلي “حماتي ملاكي” و”الحموات الفاتنات” و”الشقة من حق الزوجة”.

وتُصوَّر الحماة/الجدة في بعض الأعمال كشخصية شريرة تؤجج الخلافات بين الزوجين، دون إعطاء خلفية منطقية لأسباب تصرفاتها، حيث تعود الصورة النمطية لشخصية الجدة إما كطبيعة حانية، أو كالساحرة الشريرة، دون أي تطورات فنية أو درامية تفسر تصرفاتها.

على سبيل المثال، في مسلسل “كان ياما كان”، تلعب الجدة/حنان يوسف دورًا رئيسيًا في تأجيج الصراعات بعد الطلاق، إذ بدلاً من محاولة الحفاظ على علاقة جيدة مع ابنتها، تتجه لتشجيع النزاعات وتقاسم الممتلكات، وتصبح مصدرًا مستمرًا للمواجهات القانونية والمالية.

وفي مسلسل “المتر سمير”، تظهر جدة أخرى، تتصرف بذات الأسلوب، وتفرح بموقف ابنتها المطالبة بالطلاق، وتدير معركة قانونية ضد الزوج، بينما تظهر الابنة في موقف سلبي، وبتحديد أقل لموقفها، ويبدو أن إرادتها مُذابة في إرادة الجدة، متجاهلين أي نوع من العمق النفسي أو الدوافع وراء ذلك.

الساحرة الشريرة كنسخة مباشرة من التنميط

وتتجلى الصورة الأكثر مباشرة وتنميطًا في شخصية الجدة في مسلسل “أب ولكن”، حيث تُقدَّم كشخصية كرتونية، تتلاعب بالحفيدة وتسعى لإشعال الفتنة بينها وبين والدها، وتُصوَّر في مشهد من المشاهد على أنها أقرب إلى الساحرة الشريرة من الأساطير، مع استعارة بصرية واضحة تعيدنا إلى عالم الحكايات الطفولية عن الخير والشر.

ومن خلال مقارنة هذه الأعمال بمسلسل “حكاية نرجس”، يظهر أن المشكلة لا تكمن في وجود شخصيات شريرة أو قاسية، بل في نمط الكتابة الذي يجردها من إنسانيتها، حيث تُصور كشخصيات رمزية لإثارة الصراع، بعد أن تكررت لتصبح عناصر قالبية سهل التصديق، على العكس من استثمار الشخصيات في حكايات أكثر تعقيدًا عن السلطة والأدوار الاجتماعية التي تضغط على النساء لإعادة إنتاج القسوة ضد أنفسهن.

الخلل في كتابة الشخصيات النسائية وتصوير الأمومة

تكشف هذه الأعمال عن أزمة في كتابة الشخصيات النسائية، وتُبرز ارتباكًا أعمق في تصور الأمومة، بحيث تختفي الصورة الإنسانية للأم كإنسانة لها رغبات وقيود وأخطاء، وغالبًا ما تُجسد دراما رمضان بشكل يفتقر إلى التنوع والتعقيد الحقيقي، فتبدو عاجزة عن تقديم صورة أم عادية ومتوازنة، تملك طموحات وتحديات، وتواجه الحدود والاختيارات كما هي في الواقع.