
في المشهد الرياضي المتسارع، تتواتر باستمرار عبارتا “بحسب مصدر مسؤول” و”وفقاً لمصدر مطلع”، لتصبحا جزءاً لا يتجزأ من القاموس اليومي للتغطيات والتحليلات الإعلامية، لكن الفارق الجوهري بينهما يتعدى كونه شكلياً أو لغوياً، ليلامس أبعاداً مهنية وقانونية حاسمة تحدد ثقل المعلومة، ومدى المسؤولية المترتبة عليها، وطبيعة الرسالة التي تصل إلى الجمهور. فالمصدر المسؤول هو ذلك الشخص الذي يتمتع بصفة رسمية تمنحه الصلاحية للحديث باسم الجهة المعنية، سواء كان رئيساً لنادٍ، أو متحدثاً رسمياً، أو مسؤولاً تنفيذياً، أو عضواً مخولاً بالتصريح، وما يصدر عنه لا يُعتبر رأياً شخصياً بل يمثل موقفاً معتمداً للكيان بأكمله، وتترتب عليه آثار إدارية وإعلامية، وربما قانونية كذلك، لذا، فإن نسب التصريح إليه يكون مباشراً وواضحاً، لأن حديثه يعبر عن قرار أو توجه معلن، ويمكن مساءلته عنه بشكل صريح ومباشر، ويستند إلى صفة معلومة تجعل من هذا التصريح جزءاً لا يتجزأ من سجل المؤسسة، لا مجرد تسريب عابر.
المصدر المطلع: نافذة على الكواليس بحدود غير رسمية
على النقيض تماماً، يُمثل المصدر المطلع شخصاً مقرباً من دوائر صنع القرار، أو مطلعاً على تفاصيل الملفات الحساسة، أو حاضراً في كواليس الاجتماعات وغرف العمل، لكنه يفتقر إلى التفويض الرسمي بالتصريح، وغالباً ما يدلي بمعلوماته بشرط عدم الكشف عن اسمه أو صفته الدقيقة، حفاظاً على موقعه الوظيفي، أو لطبيعة العلاقة التي أتاحت له الوصول إلى المعلومة، أو نظراً لحساسية المعلومات التي يكشف عنها. وهنا، تظل المعلومة غير رسمية، حتى وإن كانت صحيحة في جوهرها، وهي تعكس عادة قراءة داخلية، أو توجهاً قيد النقاش، أو مساراً لم يكتمل بعد، ولا يمكن التعامل معها كموقف معتمد، لكونها لا تصدر عن جهة مفوضة، ولهذا، تتطلب معالجة مهنية أكثر حذراً، من حيث صياغة الخبر، والتحقق من صحته، والموازنة الدقيقة بين حق الجمهور في المعرفة، وضرورة حماية المصدر من الانكشاف، وفي الوقت ذاته، حماية المشهد الإعلامي من التضليل، أو الانجرار خلف رواية واحدة غير مكتملة الجوانب.
تداخل المفهومين وأثره على مصداقية الإعلام الرياضي
في الوسط الرياضي تحديداً، يتشابك المفهومان بشكل قد يربك المتلقي، حين يُقدم تسريب من مصدر مطلع وكأنه قرار نهائي وحاسم، أو حين تُوظف عبارة “مصدر مسؤول” دون إيضاح الصفة الحقيقية لهذا المصدر، أو دون بيان ما إذا كان مخولاً بالفعل بالحديث باسم الجهة، مما يفتح الباب واسعاً أمام التضليل الإعلامي، أو التوجيه المتعمد للرأي العام. فالفارق الحقيقي يكمن في أن المصدر المسؤول يمنح الخبر صفة رسمية ووزناً واضحاً، بينما المصدر المطلع يمنح بعداً تفسيرياً أو استباقياً، يتطلب تأكيداً إضافياً وتدقيقاً مضاعفاً، وبين هذين النمطين، تقف المهنية معياراً فاصلاً لا يقبل التهاون، إذ لا يكفي أن تكون المعلومة مثيرة أو متداولة على نطاق واسع، بل يجب أن تكون منسوبة بدقة متناهية، وأن يدرك القارئ بوضوح هل يقرأ موقفاً معلناً، أم تسريباً داخلياً قيد التداول، لأن وضوح المصدر ليس مجرد تفصيل تحريري عابر، بل هو جزء أصيل من مصداقية المشهد الرياضي برمته.
الدوافع الخفية خلف تسريبات المصادر المطلعة في الرياضة
من هنا، يبرز سؤال الدوافع الكامنة خلف هذه التسريبات، وهل يسعى المصدر المطلع في الرياضة أحياناً إلى الإثارة، أو الإضرار بنادٍ منافس؟ الجواب أن هذا الاحتمال قائم بقوة، ومثبت عملياً في البيئات الرياضية عالية التنافسية، خصوصاً عندما تكون المعلومة غير منسوبة رسمياً، وعندما يخرج التسريب بلا اسم وبلا صفة معلنة، فإنه يصبح أسهل في التحول إلى أداة تأثير لا مجرد وسيلة لنقل خبر. فالمصدر المطلع، بحكم عدم تحمله لمسؤولية علنية، قد يستخدم التسريب لتصفية حسابات داخلية، أو لإضعاف خصم معين داخل النادي، أو لإرباك إدارة ما، أو للضغط عليها عبر استغلال الرأي العام الجماهيري، أو لاختبار ردة فعل الشارع الرياضي، أو لتوجيه الرأي العام ضد نادٍ منافس، أو لإرباك مفاوضات تعاقدية حساسة، أو لإحداث ضجيج إعلامي يسبق قرارات حاسمة، ويغير اتجاه النقاش العام قبل أن تتضح الحقائق الكاملة.
أمثلة على استخدام المصدر المطلع كأداة تأثير
في سوق الانتقالات، على سبيل المثال، قد يتم تسريب خبر اهتمام نادٍ بلاعب معين، بهدف رفع قيمته السوقية، أو لفتح مزاد غير معلن على خدماته، أو لدفع نادٍ آخر لزيادة عرضه المقدم، أو لإرباك نادٍ ينافس بقوة على الصفقة، أو للتأثير على اللاعب ووكيله، وإرسال رسائل ضغط غير مباشرة. أما في الأزمات الإدارية، فقد يُسرّب حديث عن انقسامات داخل مجلس الإدارة، أو خلافات حادة بين اللجان المختلفة، أو اختلاف في التوجهات المالية، بهدف إضعاف صورة الكيان أمام جمهوره الوفي، أو رعاته الكبار، أو شركائه الاستراتيجيين، أو أمام الجهات التنظيمية. وفي ملفات الانضباط والاحتجاجات، قد تُنشر رواية أحادية الجانب، أو تفاصيل مبتورة وغير مكتملة، لإحراج جهة منافسة، أو للتأثير على المزاج العام قبل صدور قرار رسمي، أو لتشكيل انطباع مسبق يجعل أي قرار لاحق يبدو وكأنه انحياز، أو استهداف متعمد.
معايير مهنية للتعامل مع المصدر المطلع
لهذا، فإن المعيار المهني في التعامل مع المصدر المطلع لا يقوم على الثقة العمياء المطلقة، ولا على الرفض التام المعلن، بل يستند إلى ثلاثة عناصر واضحة ومحددة، وهي:
أولاً، التحقق المتقاطع: عبر أكثر من مصدر مستقل وموثوق، أو من خلال وثائق وقرائن يمكن اختبارها والتأكد من صحتها.
ثانياً، التمييز الصريح: بين المعلومة الموثقة والرأي الشخصي، وبين ما هو ثابت لا جدال فيه وما هو تقديري أو تحليلي.
ثالثاً، تحليل المستفيد: من نشر الخبر، وهل يأتي النشر في توقيت يحقق ضغطاً آنياً على جهة محددة، أو يسبق حدثاً حاسماً، أو يواكب نزاعاً قائماً، فكلما كان التسريب يخدم هدفاً تكتيكياً واضحاً، ارتفعت احتمالية أن يكون الهدف الأساسي هو التأثير، لا مجرد الإخبار.
المصدر المطلع: أداة في معركة السرديات الرياضية
في البيئات الرياضية التي تشهد استقطاباً حاداً وتنافساً شرساً، يصبح المصدر المطلع أحياناً جزءاً لا يتجزأ من معركة السرديات والمفاهيم، لا مجرد ناقل بسيط للمعلومة، لأن الرياضة لم تعد تقتصر على النتائج الميدانية فقط، بل باتت تشمل الصورة العامة، والسمعة، والقرارات الإدارية، والرعايات الضخمة، وأسواق الانتقالات، والعقود المعقدة، والمصالح المتشابكة، ولذلك، فإن مسؤولية الإعلامي لا تقتصر على النقل الحرفي للمعلومة، بل تمتد لتشمل تفكيك الدوافع الخفية، وفهم السياق المحيط بالخبر، وتقدير الأثر المحتمل للنشر على الجمهور، وعلى مبادئ العدالة والإنصاف، وعلى سمعة المؤسسات قبل منح التسريب شرعية الانتشار، لأن الخبر حين يخرج بصيغة “مصدر مطلع” قد يصنع واقعاً في ذهن الجمهور، حتى لو لم يصنع واقعاً فعلياً في القرارات المتخذة، وهذا تحديداً هو الفارق الدقيق بين نقل معلومة وبين صناعة انطباع عام.
