دول الخليج تعيد تقييم تحالفاتها الأمنية وسط خيبة أمل في واشنطن

دول الخليج تعيد تقييم تحالفاتها الأمنية وسط خيبة أمل في واشنطن

تُظهر وزارة الخارجية السعودية عدم وضوح التفاصيل الدقيقة للمناقشات التي تجري بين النخب السياسية في دول الخليج خلال اتصالاتهم المتعددة، لكن الوزارة تؤكد على أهمية هذه النقاشات، حيث تنشر على منصة إكس قائمة بالمحادثات التي يُجريها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان مع القادة السياسيين في الخليج.

عند دراسة التحليلات والتقارير والتعليقات من وسائل الإعلام ومراكز الأبحاث العالمية، يظهر أن تلك النقاشات تدور حول قضيتين رئيسيتين: أولاً، كيفية التعامل مع إيران التي شنت هجمات على دول الخليج لأكثر من أسبوعين، وثانياً، المستقبل القائم للعلاقة مع الولايات المتحدة، حيث ترى بعض الدول أن واشنطن، بالتعاون مع إسرائيل، قد أشعلت حربًا لم تكن تلك الدول ترغب فيها، كما صرح الأمير تركي الفيصل، الرئيس الأسبق لجهاز الاستخبارات السعودي، لشبكة سي إن إن في مارس قائلاً: “هذه حرب نتنياهو، ومن الواضح أنه أقنع الرئيس (ترامب) بدعم وجهة نظره”.

خيبة أمل تجاه واشنطن

تشعر دول الخليج بخيبة أمل من الولايات المتحدة، التي اعتبرها العديد من المراقبين تقدم وعودًا جوفاء بحماية هذه الدول، أو على الأقل تفتقر لمستوى الاعتماد المأمول، مما يتضح من عدم قدرة الجيشين السعودي والأمريكي على اعتراض العديد من الصواريخ الموجهة من إيران، وهذا أتاح لحكام الخليج درسًا قاسيًا بأن وجود قواعد عسكرية أمريكية لا يضمن حمايتهم، بل قد يحولهم إلى أهداف للهجمات الإيرانية، كما تم تجاهل الولايات المتحدة التحذيرات بشأن عواقب الحرب قبل بدئها، إذ أفادت وكالة أسوشيتد برس في مارس أن واشنطن لم تعر اهتمامًا للاحتجاجات من الدول الخليجية المتعلقة بالعواقب المحتملة.

استراتيجية “الحياد الحذر”

تُعزز الحرب في الخليج النقاش حول الاستراتيجيات، حيث يناقش مجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية، ومقره في قطر، استراتيجية “الحياد الحذر”، التي تهدف إلى تحييد دول الخليج ومنع تحويل أراضيها لساحات تصفية الحسابات، فمن الملاحظ أن هذه الاستراتيجية تعكس أولوية استراتيجية تحمي المكتسبات التنموية من تبعات الصراعات المفتوحة، وأشار الباحث السياسي برونو شميدت-فويرهيرد إلى ردود الفعل الأولى على الهجمات الإيرانية، حيث تم تحميل إسرائيل والولايات المتحدة جزءًا من المسؤولية، مع إدراك أن الهجمات الإيرانية تعني في نفس الوقت اختراق جهود التقارب الحذرة التي بُذلت في السنوات الأخيرة.

لاحظت باولينه رابه، محللة في شركة الاستشارات عقول الشرق الأوسط ببرلين، أيضًا وجود انفتاح في النقد الموجه إلى واشنطن، حيث تتفق دول الخليج على شعور مشترك بالصدمة بسبب القرارات المتخذة من دون تنسيق، فقد انتقدت السعودية بشكل صريح ترامب ونتنياهو، بينما تبنت قطر موقفًا أكثر تحفظًا.

نقاش حول القواعد العسكرية الأمريكية

يشمل النقاش منذ البداية القواعد العسكرية الأمريكية، حيث تُدخل إيران هجماتها بغرض مهاجمة تلك القواعد، بينما تستهدف أيضًا أهدافًا مدنية مثل المطارات والفنادق، مما يعني أن الهجمات تتعلق أيضًا بالضغط على نماذج ناجحة في المنطقة، مثل دبي، ويشير مركز الأبحاث الأمريكي “أتلاتيك كاونسل” إلى أن الاستقرار الاقتصادي في الإمارات يعتمد كثيرًا على سمعة دبي كمركز تجاري وسياحي آمن، لذا فإن الحفاظ عليه يعد نقطة ضعف استراتيجية. وعلى المدى البعيد قد تؤدي حرب إيران إلى إعادة تقييم الشراكات الأمنية مع الولايات المتحدة، حيث يتوجب على الدول أن تقرر ما إذا كانت تلك القواعد تمثل خطرًا أكبر من كونها مكسبًا أمنيًا، بالرغم من أن التكامل العسكري عميق لدرجة أن تغير المسار سيستغرق سنوات.

تطوير شراكات جديدة

تُبرز باولينه رابه وجود تغيير، وهو جزء من اتجاه طويل الأمد، حيث بدأت الدول الخليجية في تنويع علاقاتها، كالسعودية التي وسعت روابطها مع باكستان وتركيا، وقطر التي عززت علاقاتها مع دول أوروبية مثل بريطانيا وفرنسا، وتعتبر هذه التطورات ذات أهمية خاصة في ظل الوضع الراهن، حسبما يشير الخبير شميدت-فويرهيرد، حيث تُلاحظ استراتيجية التحوط، وهي بناء علاقات مع شركاء متعددين كالصين وتركيا، لكن يبقى مدى نجاح ذلك في السياسة الأمنية محل تساؤل، نظرًا للصعوبات المحتملة التي قد تواجهها دول الخليج في تأمين نفسها ضد فشل الولايات المتحدة، وقد برز هذا الضعف خلال الصراع القائم، حيث لم يقدم أي من هؤلاء الشركاء بديلًا عسكريًا حقيقيًا حتى الآن.

زخم جديد لنقاش قديم

بينما تستمر دول الخليج في عدم التحدث بصوت واحد، يعبر شميدت-فويرهيرد عن أن التصرف كطرف موحد ليس أمرًا عاديًا، نظرًا للتنافس السياسي والاقتصادي بين السعودية والإمارات وقطر، ومع ذلك، تبقى هناك أهداف مشتركة تتمثل في الحفاظ على الاستقرار الإقليمي، حيث تتطلب مشاريع التحول الاقتصادي الخليجية، من “رؤية 2030” السعودية إلى الطموحات العالمية لدبي والدوحة، بيئة سلمية، وبالتالي، الدفاع الفعال ضد التهديدات العسكرية يعطي الأولوية لبقاء تلك الأجندات.

أعده للعربية: رائد الباش

تحرير: عبده دميل المخلافي