رحيل قامة التاريخ والمقاومة محمد حربي

رحيل قامة التاريخ والمقاومة محمد حربي

رحل عن عالمنا، أول أمس الخميس، المجاهد والمؤرخ البارز، محمد حربي، عن عمر ناهز 92 عامًا، تاركًا وراءه مسيرة حافلة بالعطاء النضالي والأكاديمي، حيث يُعد من أهم الباحثين والمؤرخين الذين تناولوا الحركة الوطنية وثورة التحرير الجزائرية بعمق وموضوعية. إثر هذا المصاب الجلل، بعث رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، برسالة تعزية إلى عائلة الفقيد، أعرب فيها عن بالغ حزنه لوفاة المجاهد والمؤرخ المثقف محمد حربي، مؤكدًا أن الجزائر قد فقدت برحيله رجلًا فذًا انخرط مبكرًا في النضال السياسي ضد الاستعمار، ثم في صفوف الثورة التحريرية مجاهدًا وإطارًا في الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، قبل أن يتفرغ بعد الاستقلال للكتابة والبحث، مثريًا المكتبة العالمية بعدة مؤلفات قيمة حول تاريخ الحركة الوطنية وثورة التحرير المظفرة، وتقدم الرئيس بهذه المناسبة الأليمة بأصدق عبارات التعازي لعائلة الفقيد والأسرة الثورية، داعيًا الله العلي القدير أن يتغمده بواسع رحمته ويسكنه فسيح جناته، وأن يلهم ذويه جميل الصبر والسلوان، مستذكرًا قول الحق “إنا لله وإنا إليه راجعون”.

نشأة ومسيرة تعليمية حافلة

وُلد محمد حربي في السادس عشر من جوان عام 1933 بمدينة الحروش بولاية سكيكدة، حيث تلقى تعليمه الابتدائي بمسقط رأسه، ثم واصل دراسته بمدينة سكيكدة قبل أن ينتقل إلى كوليج “سانت بارب” بالعاصمة الفرنسية باريس، وهناك حصل على شهادة البكالوريا سنة 1950 في شعبة الفلسفة، ليتابع بعدها مساره الجامعي في تخصص التاريخ.

المسار النضالي والسياسي

ناضل محمد حربي في شبابه ضمن صفوف حركة انتصار الحريات الديمقراطية، وبعد اندلاع الثورة التحريرية، التحق بجبهة التحرير الوطني على مستوى فدرالية فرنسا، وتولى مناصب مسؤوليات عدة، منها على وجه الخصوص سفير الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية في غينيا بين عامي 1960 و 1961، ثم أمينًا عامًا لوزارة الشؤون الخارجية بالحكومة المؤقتة، ومديرًا لمكتب نائب رئيس الحكومة المؤقتة كريم بلقاسم، وقد شارك حربي بفاعلية في مفاوضات إيفيان الأولى، والتي كانت نقطة تحول حاسمة في تاريخ الجزائر.

المسيرة الأكاديمية بعد الاستقلال

بعد حصول الجزائر على استقلالها، شغل محمد حربي منصب مستشار في مكتب الرئيس أحمد بن بلة حتى سنة 1965، ثم التحق بالعاصمة الفرنسية باريس سنة 1973 ليبدأ مسارًا أكاديميًا متميزًا في العديد من الجامعات، حيث عمل كأستاذ لعلم الاجتماع والتاريخ بجامعة باريس 8 بين سنوات 1975 و 1978، كما شغل منصب أستاذ بجامعة باريس ديكارت بين 1976 و 1980، ثم أستاذًا محاضرًا وبروفيسورًا بجامعة باريس 8 التي ظل بها حتى تقاعده.

قامة تاريخية استثنائية وباحث موضوعي

إلى جانب مساره النضالي والسياسي، تميز الراحل محمد حربي بمسار أكاديمي حافل ومتميز كمؤرخ وباحث، فهو بحق قامة تاريخية استثنائية، ومن قلائل المؤرخين الذين كتبوا عن مرحلة الحركة الوطنية والثورة التحريرية من داخلها، فالرجل عمل في الميدان كمناضل ومجاهد ومسؤول في هياكل الثورة التحريرية، قبل أن يتفرغ للتأريخ لها من موقعه كباحث أكاديمي، مستفيدًا من تجاربه الواقعية، وما يملكه من وثائق، وما توصل إليه في أبحاثه، وما سمعه ورآه من رفقائه في النضال. يُعد الراحل محمد حربي مرجعًا حقيقيًا للباحثين في تاريخ الثورة والحركة الوطنية، بقلمه الموضوعي إلى درجة كبيرة بشهادة الكثيرين، وبكونه محللًا ومفككًا للأحداث والوقائع التاريخية، حيث ابتعد في كتاباته عن الذاتية المغلفة بتصفية الحسابات السياسية، وأنصف الكثيرين ممن اختلف معهم سياسيًا.

إرث فكري ومؤلفات قيمة

ترك محمد حربي إرثًا محترمًا في مجال التاريخ الأكاديمي والكتابات السياسية والاجتماعية، عبر مسيرة بحثية امتدت لأكثر من خمسة عقود من الزمن، وقد أصدر العديد من الكتب والمؤلفات الهامة، نذكر منها:

  • “التسيير الذاتي في الجزائر.. ثورة أخرى 1962-1965”.
  • “الآفلان. وثائق وتاريخ” بالتعاون مع جيلبار مينيي.
  • “حرب الجزائر”.
  • “حياة واقفة” (مذكرات سيرة ذاتية).
  • “الجزائر ومصيرها”.
  • “الإسلاماوية في كل حالاتها”.
  • “جبهة التحرير الوطني.. السراب والواقع”.
  • “أرشيف الثورة الجزائرية”.
  • “جذور جبهة التحرير الوطني.. الشعبوية الثورية في الجزائر”.
  • وله كتابات أخرى مشتركة مع كتاب من دول عديدة.

وداع شخصية عالمية فريدة

لقد استحق الراحل محمد حربي، بفضل مجهوده البحثي والتأريخي المذكور، لقب المؤرخ المختص في تاريخ الثورة الجزائرية، وبرحيله تفقد الجزائر والعالم الأكاديمي والبحث العلمي شخصية تاريخية ومثقفة من الطراز العالمي الفريد، تركت بصمة لا تُمحى في فهم تاريخ الجزائر الحديث.

رسائل تعزية من رؤساء الهيئات التشريعية

ووجه أمس الجمعة كل من رئيس مجلس الأمة، السيد عزوز ناصري، ورئيس المجلس الشعبي الوطني، السيد إبراهيم بوغالي، رسالتي تعزية إلى أسرة الفقيد المجاهد والمؤرخ محمد حربي، حيث كتب رئيس مجلس الأمة على صفحته الرسمية بمواقع التواصل الاجتماعي: “ببالغ الحزن والأسى، تلقينا نبأ وفاة المجاهد والمؤرخ والكاتب، محمد حربي، الذي نازل الاستعمار بالسلاح كما بالقلم، وكرّس حياته للدفاع عن الوطن وصون الذاكرة الوطنية”، وأضاف: “رحم الله الفقيد، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أهله وذويه ومحبيه جميل الصبر والسلوان. إنا لله وإنا إليه راجعون”. كما كتب رئيس المجلس الشعبي الوطني على صفحته الرسمية بمواقع التواصل الاجتماعي: “أتقدم بأخلص عبارات التعزية إلى عائلة المؤرخ والمجاهد المرحوم محمد حربي، أحد أعلام التاريخ والفكر في الجزائر، الذي كرس مسيرته للنضال والبحث وإثراء الذاكرة الوطنية”، واختتم قائلًا: “نسأل الله العلي القدير أن يتغمده بواسع رحمته ويلهم ذويه جميل الصبر والسلوان. إنا لله وإنا إليه راجعون”.