«رمز الكرامة الوطنية» عبدالناصر أيقونة الأمة إرث حي يتجدد في الوجدان

«رمز الكرامة الوطنية» عبدالناصر أيقونة الأمة إرث حي يتجدد في الوجدان

بصفتي ناصرية، فقد لمستُ أثر سياسات الزعيم جمال عبدالناصر الإيجابي على حياتي بشكل واسع، لطالما كتبتُ وقلتُ إني ابنة ثورة يوليو، حيث كنتُ أشتري الكتب المدعومة بأسعار زهيدة، وأتنقل بالتاكسي بفضل دعم البنزين، كما قضيتُ المصيف في المنتجعات التابعة لجهة عمل والدي ونقابته، والتي كانت جميع النقابات والعديد من الوزارات قد خصصت لها أراضي لبناء مصايف تخدم الطبقة المتوسطة، تعلمتُ عزف البيانو في المدارس الحكومية، وكان نادي الوزارة المطل على النيل يمثل المتنفس الأجمل والأكثر توفيرًا، لسنوات طويلة، لم يقلقني شبح العجز عن توفير العلاج لي أو لأي فرد من أسرتي، فالدواء كان مدعومًا، ودخول المستشفيات لم يكن يتطلب ثروة كما هو الحال اليوم، كان الإحساس بوجود شبكة أمان اجتماعي تتدخل في الوقت المناسب قبل أي سقوط، إحساسًا دافئًا وجميلًا، لقد كان عبدالناصر هدية من القدر لمصر والأمة العربية، وكما يقول المثل الأجنبي، بعض الأحداث هدايا من القدر والأخرى دروس، فإن ما تلا رحيله كان سلسلة من المصائب والدروس القاسية التي دفعنا ثمنها باهظًا، من دماء المصريين والعرب، خاصة الفلسطينيين، وانتهاك السيادة، وتقطيع أوصال الدول، ووصولنا إلى مستوى من الهوان والعجز لم تشهده الأمة من قبل، يفوق بكثير ما شعرنا به حتى بعد هزيمة يونيو.

دروس قاسية بعد غياب القائد

تلقينا هذه الدروس لأن البعض لم يؤمن بهدية القدر، الزعيم عبدالناصر، فقد استغرقت قيادات عربية سنوات، بل عقودًا طويلة، لتدرك أن الولايات المتحدة تستخدم إيران “فزاعة” لترهيب الدول، تمامًا كما استخدمت جمال عبدالناصر “فزاعة” لذات الغرض سابقًا.

تحذيرات تجاهلها العرب

لو أن العرب استمعوا لتحذيرات عبدالناصر من مخاطر الغرب، وعلى رأسه أمريكا، لما وصلوا إلى هذا المستوى من الضعف والهوان، ولما حوّلوا بوصلتهم بعيدًا عن العدو الحقيقي، إسرائيل ومخططاتها التوسعية، ليستبدلوا بها إيران كخصم، ورغم أن إيران حاولت تصدير ثورتها الإسلامية في أوجها إلى دول عربية، فإن هذا التوجه توقف لاحقًا، إلا أن بعض الحكام استمروا في تبني خطاب العداء لإيران والتعامل معها بناءً على الماضي، في حين غفروا لإسرائيل وتجاهلوا أطماعها في الوطن العربي بأكمله، بل وعقدوا معها المعاهدات، وفي الآونة الأخيرة، رفضت بعض الدول العربية أي ضربة أمريكية لإيران، إدراكًا منها بأنها ستدفع ثمنًا مضاعفًا من ثرواتها واستقرارها.

فشل سياسات الخصخصة وتأثيرها

درس قاسٍ آخر تعلمناه بعد رحيل الزعيم، يدفع المصريون ثمنه باهظًا، وهو أن مقولة “انسحاب الدولة من الاقتصاد” كانت محض كلام فارغ، وأن ترك المواطن تحت رحمة، أو بالأحرى سيف، الاحتكار لم يؤدِ إلا إلى مضاعفة الأسعار والضغط المتزايد على كاهل المواطن، اكتشفنا أن من عايرونا بدعم عبدالناصر لشركات القطاع العام، هم أنفسهم من سارعوا بإنقاذ شركاتهم وبنوكهم الخاصة، وعلى رأسها “جنرال موتورز”، من الإفلاس خلال الأزمة المالية العالمية، كما أجبروا القطاع الخاص لديهم على وقف إنتاج سلعهم الأصلية لإنتاج أجهزة التنفس الصناعي مجانًا في أزمة كورونا، وألغوا عقود تصدير هذه الأجهزة لصالح مواطنيهم، هذا الدرس المكلف جاء بعد أن خسرنا معظم شركاتنا ومصانعنا التي بيعت للقطاع الخاص المصري والأجنبي والعربي، وهي فاتورة باهظة يصعب، وربما يستحيل، تعويض خسائرها.

تدهور القوى الناعمة وغياب الدعم

كان جمال عبدالناصر هدية للمصريين، وبعد غيابه تلقينا درسًا لا يزال يطاردنا ويلاحق أبناءنا ومستقبلنا، وذلك عندما تخلت الدولة لسنوات طويلة عن دعم الفن والإبداع، اللذين كانا يحظيان برعاية واهتمام الزعيم، ونتيجة لذلك، فقدنا الكثير من قوانا الناعمة، فأصبحت أغاني المهرجانات تلاحق آذاننا، وقبح المباني العشوائية يخدش أعيننا.

جمال عبدالناصر: إرث لا يندثر

عاش عبدالناصر بعد رحيل جسده، فكل كارثة تتوالى تثبت صحة الطريق الذي اختاره والأولويات التي ركز عليها، عاش عبدالناصر بعد رحيل جسده حاجزًا يصعب على الحكام العرب تجاوزه، عاش جمال عبدالناصر بعد رحيل جسده تجربة حية تطارد كل من يسعى للبيع والتفريط بكل أنواعه، عاش عبدالناصر في صفحات التاريخ وفي قلوب الملايين، عاش يقوي أحلام البسطاء ويدعم حقوقهم في حياة كريمة وحراك اجتماعي فاعل، عاش جمال عبدالناصر، عاش.