سراب العلاج الرقمي لماذا يخذل هاتفك مزاجك السيئ

سراب العلاج الرقمي لماذا يخذل هاتفك مزاجك السيئ

2026-02-15 03:47

توقف عن اعتبار هاتفك الذكي “مُصلحًا للمزاج”؛ فبالرغم من جاذبيته، يجب أن ندرك تمامًا أنه قد يكون مجرد وسيلة تشتيت تؤخر تعافيك العاطفي، بدلًا من أن تقدم له أي مساعدة حقيقية. فقد كشفت دراسة حديثة، نُشرت في مجلة Emotion المرموقة، عن حقيقة مفاجئة وصادمة بخصوص علاقتنا المتزايدة بالهواتف الذكية؛ حيث أثبتت تحليلات شملت أكثر من 50 ألف نقطة بيانات أن هذه الأجهزة تعمل في الواقع كأداة “تشتيت” قوية، وليست “علاجًا” فعالًا للمشاعر السلبية. فعندما نلجأ إلى الشاشات هروبًا من القلق أو الإحباط، سواء كان ذلك للتعبير عن مشاعرنا أو لتجنبها، فإن هذا السلوك لا يقدم أي تحسن ملموس في الحالة المزاجية على مدار ثلاث ساعات كاملة، بل على العكس، قد يؤدي التصفح العشوائي لوسائل التواصل الاجتماعي بهدف التجنب إلى نتائج عكسية تمامًا، مما يزيد من حدة المشاعر السلبية وتأثيرها علينا لاحقًا.

النقاط الرئيسية

  • قاعدة بيانات ضخمة: قام الباحثون بتحليل أكثر من 50,000 نقطة بيانات، من ألف شخص بالغ، لتتبع ورصد تأثير الهواتف الذكية على المشاعر بشكل لحظي ومباشر.
  • فخ الاختيار: هناك ميل واضح لدى الأفراد للجوء إلى هواتفهم، إما للتعبير عن مشاعرهم أو للهروب من الواقع المحيط، خاصة عندما يواجهون شعورًا بالإحباط في الأساس.
  • انعدام التحسن: على الرغم من الاعتقاد السائد بأن استخدام الهاتف قد يحسن المزاج، لم تظهر الدراسة أي دليل ملموس على أن استعمال الهاتف الذكي يقلل بالفعل من المشاعر السلبية خلال فترة زمنية تمتد لثلاث ساعات.
  • نتائج عكسية للتجنب: تبين أن استخدام الهاتف بهدف “تجنب” المشاعر السلبية بشكل خاص ارتبط بزيادة طفيفة في التأثير السلبي على المدى اللاحق.
  • انقسام سلوكي: عندما يكون الهدف هو “التعبير” عن المشاعر، يزداد الميل نحو المراسلات المباشرة، بينما يؤدي “تجنب” المشاعر إلى التصفح العشوائي والمفرط لوسائل التواصل الاجتماعي.

“الضمادة” الرقمية التي لا تعمل

كلنا مررنا بهذا الموقف مرارًا وتكرارًا، فقد تمر بيوم عصيب في العمل، أو تشعر بموجة مفاجئة من القلق تسيطر عليك، فتجد يدك تمتد بشكل غريزي نحو هاتفك الذكي، وكأنه ملاذ آمن.

قد تراسل صديقًا مقربًا لتتنفّس عن غضبك، أو تفتح تطبيقًا للتواصل الاجتماعي لتغرق نفسك في بحر لا نهاية له من الفيديوهات القصيرة. يبدو هذا التصرف كحل سريع وفعّال في اللحظة الراهنة، لكن بعد مرور ساعة أو أكثر، تكتشف أن ذلك الشعور الثقيل والضاغط لا يزال قائمًا في صدرك، ولم يتغير شيء.

هذا الإحباط المتكرر أصبح الآن مدعومًا بالعلم الصارم؛ فقد نشر الباحث الرئيسي ديفيد دي سيغوفيا فيسنتي وفريقه في جامعة غينت مؤخرًا دراسة رائدة ومهمة في مجلة *Emotion*. يؤكد عملهم البحثي أننا، على الرغم من استخدامنا لأجهزتنا كأدوات عاطفية، إلا أنها تفشل في أداء المهمة التي نأملها منها بالفعل، وهي تحسين مزاجنا أو تخفيف توترنا.

من خلال فحص دقيق وشامل لحياة أكثر من 1,000 شخص بالغ، اكتشف الفريق البحثي فجوة كبيرة وواضحة بين الدوافع التي تدفعنا للإمساك بهواتفنا، وبين التأثير الفعلي الذي تحدثه هذه الأجهزة على صحتنا العقلية والنفسية.

لماذا نلجأ إلى الشاشة: تأثير اختيار الوسائط

وفقًا للباحث الرئيسي ديفيد دي سيغوفيا فيسنتي، فإن عاداتنا المتصلة باستخدام الهاتف الذكي غالبًا ما تكون مدفوعة بما يسميه العلماء “اختيار الوسائط”. هذا المفهوم يعني أن حالتنا المزاجية الراهنة هي التي تملي علينا وتوجه سلوكنا الرقمي بشكل كبير.

عندما يرتفع مستوى “التأثير السلبي” – وهو مصطلح علمي يشمل المزاج السيئ، التوتر، أو القلق – تزداد نزعتنا بشكل ملحوظ لاستخدام الهاتف، إما كـ “درع” يحمينا، أو كـ “مكبر صوت” نعلن من خلاله عن مشاعرنا. وقد تتبعت الدراسة البحثية استراتيجيتين أساسيتين في هذا السياق.

الاستراتيجية الأولى هي التعبير عن العاطفة، حيث يستخدم الفرد هاتفه للتواصل وإخبار الآخرين بما يشعر به، سعيًا لتخفيف حدة المشاعر.

أما الاستراتيجية الثانية فهي تجنب العاطفة، حيث يتم استخدام الجهاز لتشتيت الذات والهروب من فكرة مؤلمة أو شعور مزعج.

لقد أظهرت البيانات بوضوح أن الأفراد يلجأون باستمرار إلى هذه الاستراتيجيات تحديدًا عندما يشعرون بـ “الإحباط” أو “القلق”؛ وبذلك، يتحول الهاتف إلى “منظم عاطفي محمول” نلتقطه تلقائيًا في اللحظات التي تصبح فيها الحياة غير مريحة أو صعبة التحمل.

الحقيقة المرة: الهواتف الذكية لا تخفض التوتر

النتيجة الأكثر إثارة للصدمة، التي توصل إليها الفريق البحثي، هي ما أطلقوا عليه “نقص آثار الوسائط”. فعلى الرغم من أن المشاركين كانوا يأملون بصدق أن تساعدهم هواتفهم الذكية على الشعور بالتحسن، إلا أن البحث لم يقدم أي دليل ملموس على وجود أي “ضبط خافض” أو تأثير إيجابي يقلل من حدة المزاج السيئ.

بصيغة أبسط وأوضح، فإن الهاتف لا يقلل فعليًا من مستويات التوتر لديك، ولا يجعلك أقل حزنًا أو قلقًا خلال الساعات الثلاث التالية لاستخدامه. وقد وجد ديفيد دي سيغوفيا فيسنتي وزملاؤه أنه بينما نعتقد أننا نقدم لأنفسنا المساعدة من خلال اللجوء للهاتف، تظل حالتنا العاطفية دون تغيير كبير أو تحسن يذكر.

أما بالنسبة لأولئك الذين استخدموا هواتفهم تحديدًا بغرض التجنب والهروب من مشاعرهم، فقد كانت النتائج أكثر إثارة للقلق؛ فقد ارتبطت هذه الاستراتيجية بزيادة طفيفة وواضحة في المشاعر السلبية في وقت لاحق من اليوم. وهذا يشير بوضوح إلى أن “الاختباء” مؤقتًا خلف شاشة هاتفك قد يجعل العبء العاطفي والنفسي الذي تحمله أثقل وأشد وطأة عندما ترفع عينيك أخيرًا عن الشاشة وتعود للواقع.

التصفح مقابل المراسلة: كيف تشكل تطبيقاتك مزاجك

للوقوف على ما يفعله الناس بالضبط على هواتفهم، استخدم الباحثون تقنية “الاستشعار السلبي”، وهي سجلات رقمية دقيقة لتتبع الأنشطة. من خلال ذلك، اكتشفوا انقسامًا واضحًا في الكيفية التي تخدم بها التطبيقات المختلفة أهدافًا عاطفية متباينة.

وفقًا لنتائج الدراسة، إذا كان هدفك الرئيسي هو التعبير عن مشاعرك ومشاركتها، فمن المرجح أن تقضي وقتًا أطول في تطبيقات المراسلة المباشرة مثل واتساب أو تيليجرام. أما إذا كان هدفك هو التجنب والهروب، فمن الأرجح أن تقع في فخ “التصفح العشوائي” والمستمر على منصات التواصل الاجتماعي المختلفة.

لقد وجد الفريق أن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالرغبة العميقة في الانفصال المؤقت عن الواقع. هذه المنصات مصممة بذكاء للاستحواذ على انتباهك بالكامل، مما يجعلها الأداة المثالية لأي شخص يرغب في تجاهل مشاكله الحالية والابتعاد عنها. لكن، للأسف الشديد، هذا “الهروب الصغير” لا يؤدي أبدًا إلى راحة نفسية طويلة الأمد أو حلول حقيقية للمشكلات.

هل استخدامك للهاتف مسألة شخصية؟

كان أحد الأسئلة الجوهرية والرئيسية، التي سعت الدراسة للإجابة عنها، هو ما إذا كانت هذه التأثيرات السلبية للهواتف الذكية تتطابق لدى جميع الأفراد، أم أن هناك اختلافات فردية. ولتحديد ذلك، استخدم الفريق البحثي نهجًا مخصصًا لكل مشارك على حدة، لمحاولة معرفة ما إذا كان بعض الأشخاص “أفضل” من غيرهم في استخدام هواتفهم بفعالية لإدارة حالتهم المزاجية.

وبعد التحليل، وجد الباحثون أنه على الرغم من الاختلافات الكبيرة في الأسباب والدوافع التي تدفع الناس للجوء إلى هواتفهم، إلا أن النتائج كانت متسقة وثابتة بشكل ملحوظ لدى الجميع؛ فلم يشهد أي شخص تقريبًا شارك في الدراسة أي تحسن كبير ومستدام في مزاجه العام، نتيجة لاستخدامه هاتفه لتنظيم عواطفه أو التغلب على مشاعره السلبية.

ومن المثير للاهتمام، أن الباحثين لاحظوا وجود فجوة عمرية واضحة في هذا السلوك؛ حيث كان المشاركون الأصغر سنًا أكثر عرضة واعتمادًا على هواتفهم الذكية كوسيلة لتنظيم العواطف، مقارنة بالبالغين الأكبر سنًا. وهذا يشير إلى أن الأجيال الشابة قد تكون أكثر اعتمادًا وتوكلًا على الأدوات الرقمية “للشعور بالتحسن”، حتى لو كانت هذه الأدوات، في الواقع، لا تؤدي وظيفتها المرجوة بفعالية.

ماذا يعني هذا بالنسبة لك؟

الخلاصة الجوهرية لهذه الدراسة هي أن هاتفك الذكي، على الرغم من كونه أداة تفاعلية قوية، إلا أنه ليس أداة علاجية على الإطلاق. أنت تستخدمه للتعايش مع حالة مزاجية معينة، لكن الجهاز نفسه لا يقدم لك الحل العاطفي الحقيقي الذي تحتاجه لتجاوز تلك الحالة بفعالية وديمومة.

  1. حدد نقطة التأثير.

    • البصيرة: أظهر البحث أن سلوك “التجنب” عبر التصفح العشوائي يمكن أن يؤدي فعليًا إلى زيادة طفيفة في المشاعر السلبية بمرور الوقت، بدلاً من تخفيفها.
    • الإجراء: عندما تشعر برغبة ملحة في التصفح “لنسيان” يوم سيئ أو تجربة سلبية، اضبط مؤقتًا لمدة خمس دقائق فقط. إذا كنت لا تزال تشعر بنفس الشعور بعد انتهاء الدقائق الخمس، ضع الهاتف في غرفة أخرى بعيدًا عن متناول يدك، ثم ابدأ في ممارسة نشاط بدني بسيط ومباشر، كالمشي السريع أو تمارين التمدد الخفيفة.
  2. حسّن “محرك الاختيار”.

    • البصيرة: غالبًا ما نلجأ إلى هواتفنا عندما يكون مستوى التأثير السلبي أو المزاج السيئ مرتفعًا لدينا.
    • الإجراء: أنشئ “حقيبة إسعافات أولية رقمية” خاصة بك على هاتفك. بدلًا من فتح تطبيقات وسائل التواصل الاجتماعي بشكل تلقائي، خصص مجلدًا في هاتفك يحتوي فقط على تطبيق أو تطبيقين يتطلبان مشاركة نشطة منك، مثل تطبيق لتدوين اليوميات والتعبير عن المشاعر، أو تطبيق للتنفس الموجه الذي يساعد على الاسترخاء.
  3. عزز التدخل الاجتماعي.

    • البصيرة: وجد الفريق البحثي أن التعبير عن المشاعر عبر تطبيقات التواصل المباشر (المراسلة) مرتبط بشكل أكبر بدعم “الروابط القوية” مع الآخرين، وهو ما تفتقر إليه وسائل التواصل الاجتماعي العامة.
    • الإجراء: إذا كنت تشعر بالإحباط أو الضيق، تجاوز فكرة نشر منشور عام على وسائل التواصل الاجتماعي. بدلاً من ذلك، أرسل رسالة مباشرة لشخص واحد تثق به وتستطيع التحدث معه بصدق. ورغم أن الدراسة تظهر أن هذا قد لا يصلح مزاجك على الفور، إلا أنه على الأقل يعزز القرب الاجتماعي والتواصل الحقيقي الذي غالبًا ما يفتقر إليه التصفح الرقمي السلبي.

المصدر: simplypsychology.org

ذات صلة

  • أسلوب التطوير الذاتي.. قراءة تحليلية لسيرة الإمام الشيرازي.
  • ما هي البلوتوقراطية؟.
  • الغرض من الكشف عن وثائق ابستين.
  • ثبات الراعي وأمان الرعية: حماية الأبناء من القلق.
  • انهيار صحيفة واشنطن بوست أصبح مشكلة عالمية.