«صرخة المواطن الأردني تدوّي» المواطن الأردني يدفع فاتورة إخفاقات الضمان الاجتماعي المستمرة

«صرخة المواطن الأردني تدوّي» المواطن الأردني يدفع فاتورة إخفاقات الضمان الاجتماعي المستمرة

يُطرَح أي تعديل مقترح على قانون الضمان الاجتماعي دائمًا على الرأي العام بوصفه ضرورة مالية حتمية لضمان “استدامة” النظام، لكن السؤال الجوهري الذي يتجنب صانعو القرار الإجابة عنه هو: هل تكمن المشكلة فعلاً في سن التقاعد وعدد الاشتراكات، أم في الأسلوب المتبع لإدارة أموال الضمان نفسه؟

صندوق الضمان: ثروة أم عبء؟

إن المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي ليست كيانًا يعاني من شح الموارد، بل هي تدير أحد أضخم الصناديق المالية في المملكة، هذه الأموال ليست منحة من أحد، بل هي نتاج اقتطاعات شهرية منتظمة من رواتب الأردنيين، جُمعت على مدار عقود بهدف تأمين مستقبلهم، ومع ذلك، بدلًا من أن تُستثمر هذه الأصول الضخمة في مشاريع نوعية ومربحة تدعم الاقتصاد الوطني وتوفر فرص العمل، نجد أنفسنا أمام تعديلات متكررة تُحمّل المشتركين وحدهم عبء “تصحيح المسار”.

جوهر الأزمة: ضعف العائد الاستثماري وديون الحكومة

لا يكمن جوهر الأزمة في مجرد رفع سن التقاعد إلى 65 عامًا للرجل و60 عامًا للمرأة، ولا حتى في اشتراط 360 اشتراكًا للحصول على الراتب التقاعدي، بل في الهروب من مواجهة الخلل الحقيقي المتمثل في ضعف العائد الاستثماري، وسوء توجيه بعض الاستثمارات، وعجز المؤسسة عن تحقيق استقلاليتها المالية الكاملة، فعندما تُدار أموال الضمان بعقلية بيروقراطية متحفظة أو تُوجه لمشاريع ذات جدوى منخفضة، فإن الخسارة لا تقتصر على دفاتر المؤسسة فقط، بل تُقتطع مباشرة من أعمار وحقوق العاملين، والأخطر من ذلك هو استمرار استدانة الحكومة من أموال الضمان، والتي تجاوزت تقديراتها المتداولة العشرة مليارات دولار، مما يثير تساؤلات جدية حول استقلالية هذا الصندوق.

الضمان الاجتماعي: بين حماية المدخرات وتمويل عجز الخزينة

كيف يمكن لمؤسسة أنشئت لحماية مدخرات المواطنين أن تتحول إلى ممول رئيسي لعجز الخزينة؟ وما هي الرسالة التي تُرسل للمشتركين عندما يرون أموالهم تُستخدم لسد فجوات مالية بدلًا من استثمارها في مشاريع إنتاجية ومستدامة؟ إن تحميل المواطن عبء الإصلاح عبر تشديد شروط التقاعد، في ظل واقع يتسم بارتفاع معدلات البطالة وتأخر فرص العمل، يبدو أقرب إلى معادلة غير عادلة، فالمطلوبون للتعيين في مؤسسات الدولة، وفقًا لأنظمة ديوان الخدمة المدنية، كثير منهم تجاوزوا سن 45 عامًا، وبعضهم يبدأ حياته الوظيفية في السابعة والأربعين، فكيف لهؤلاء إكمال 30 سنة اشتراك قبل بلوغ سن التقاعد الجديد؟

الثقة المفقودة والإصلاح الحقيقي

هل يُعقل أن تتحول أخطاء الإدارة والاستثمار إلى عقوبة جماعية تُفرض على أجيال كاملة؟ الضمان الاجتماعي ليس مجرد صندوق مالي؛ إنه يمثل عقد ثقة أساسي بين الدولة والمواطن، وعندما يشعر المواطن أن هذا العقد يُعاد تعريفه وتعديله كلما ظهرت فجوة مالية، فإن الثقة تتآكل بشكل خطير، الإصلاح الحقيقي لا يبدأ برفع سن التقاعد، بل بإعادة هيكلة شاملة للسياسات الاستثمارية، وتعزيز الشفافية والمساءلة، ووقف تحويل الصندوق إلى أداة تمويل للحكومات المتعاقبة.

الاستدامة الحقيقية: عوائد عادلة واستقلالية مالية

إن الاستدامة الحقيقية لنظام الضمان الاجتماعي لا تتحقق بمجرد تمديد سنوات العمل للمشتركين فحسب، بل بتوفير عوائد استثمارية عادلة ومجزية على أموالهم المودعة، وبفصل واضح وصارم بين أموال الضمان والسياسات المالية الحكومية قصيرة الأمد، وأي تعديل لا ينطلق من هذه الحقائق الجوهرية سيبقى، في نظر الكثيرين، مجرد محاولة للتهرب من مواجهة أصل المشكلة بشجاعة ومسؤولية بدلًا من معالجتها.

ندرك جيدا أنه لا يستطيع الجميع دفع ثمن تصفح الصحف في الوقت الحالي، ولهذا قررنا إبقاء صحيفتنا الإلكترونية “راي اليوم” مفتوحة للجميع؛ وللاستمرار في القراءة مجانا نتمنى عليكم دعمنا ماليا للاستمرار والمحافظة على استقلاليتنا، وشكرا للجميع
للدعم:

ترحب ‘راي اليوم’ بآراء الكتاب وتأمل ان لا يزيد المقال عن 800 كلمة مع صورة وتعريف مختصر بالكاتب