
شهدت مدينة النبطية اعتصامًا حاشدًا ومُفعَمًا بالإصرار لموظفي الإدارات العامة، الذين تحدوا الظروف الجوية القاسية، من طقس عاصف وأمطار غزيرة، أمام سرايا النبطية الحكومية، مطالبين بتصحيح عاجل لرواتبهم وأجورهم المتدهورة.
رفع المعتصمون لافتات عكست معاناتهم ومطالبهم الملحة، حملت عبارات قوية مثل: “العدالة الوظيفية ليست خيارًا، بل واجب”، مؤكدين على حقهم في حياة كريمة، و”كل شيء يغلى إلا كرامة الموظف، كرامتنا خط أحمر!!” تعبيرًا عن رفضهم لتهميشهم، و”رواتبنا لا تكفينا فكيف نخدم الدولة؟”، متسائلين عن قدرتهم على أداء واجباتهم في ظل هذا الواقع الاقتصادي الصعب.
مطالب رابطة موظفي الإدارة العامة
ألقى مسلم عبيد، ممثل رابطة موظفي الإدارة العامة في النبطية، كلمة مفصلة وضح فيها جوهر مطالب الموظفين، مؤكدًا على ضرورة إجراء تعديل جوهري على اقتراح القانون المعد من قبل مجلس الخدمة المدنية، خاصة فيما يتعلق بتقليص سنوات التقسيط. وتشمل أبرز المطالب ما يلي:
- صرف عشرة رواتب بشكل فوري، بالإضافة إلى منحة مالية قدرها 10 ملايين ليرة لبنانية لمدة ثلاثة أشهر.
- عدم المساس بالمعاش التقاعدي، الذي يعتبر من الحقوق المكتسبة للمواطنين، والذي يمثل ضمانة لمستقبلهم.
- إدخال مقدمي الخدمات الفنية إلى نظام الضمان الاجتماعي، وهو ما يندرج ضمن المسؤولية المجتمعية للدولة تجاه موظفيها.
- رفع قيمة التعويضات العائلية والمنح المدرسية، لتتناسب مع التكاليف المعيشية والتعليمية المتزايدة.
كما أشار عبيد إلى أن لجنة الرابطة تدرس إمكانية التصعيد في تحركاتها، بما في ذلك مقاطعة التحضير والمشاركة في الانتخابات النيابية، بالإضافة إلى احتمال تعثر إجراء الامتحانات الرسمية، وذلك للضغط من أجل تحقيق هذه المطالب.
صرخة كفى تهميشًا
من جانبه، ألقى رئيس مصلحة الاقتصاد في النبطية، محمد بيطار، كلمة اعتبر فيها أن “صمتنا لم يعد فضيلة، والتحمل بلغ حدوده”، مشددًا على أن الموظفين تجمعوا ليقولوا بصوت عالٍ “كفى تهميشًا وتجاهلاً واستهتارًا بنا وبعائلاتنا”. وأكد بيطار أن حقوقهم لن تسقط، ومطالبهم لن تخبو، وأن صوتهم سيبقى عاليًا حتى “تُسمع الحقيقة ونضج في السرايا الكبير وفي الحكومة وفي المجلس النيابي”، واختتم كلمته بالدعاء لموظف الدولة الصامد.
عمود الإدارة الفقري
أكد محمد دهيني، مأمور نفوس النبطية، في كلمته أن “الموظفين المعتصمين اليوم هم معمل إنتاج الإيرادات للدولة”، فهم من يقفون في المطر والحر ليخدموا المواطن والدولة. وعقد دهيني مقارنة حادة بين الصورة النمطية لموظفي الإدارة العليا “أصحاب ربطات العنق والبدلات الفاخرة” الذين يتفاخرون بالإنجازات، وبين واقع الموظفين الميدانيين الذين يشكلون “العمود الفقري للإدارة العامة”، والجنود المجهولين الذين يغذون الدولة بإيرادات كبيرة ويخدمونها في كل مفاصلها، من وظائف وانتخابات وامتحانات رسمية. وطالب بأن الأوان قد حان لهذه السلطة والقيمين على الإدارة العامة ليعطوا الموظف حقوقه المكتسبة التي لا يجوز التهاون بها.
شعر يعكس معاناة الموظف
لخص دهيني ببراعة معاناة الموظف في الدولة ببيت شعري معبر يقول: “إذا ما أطل الشهر أبغي زواله، لكي أتقاضى راتبي آخر الشهر، كأني أبيع العمر فيما أناله، فيا بؤس بعت من أجله عمري”، تجسيدًا للمرارة التي يشعر بها الموظف وهو ينتظر راتبًا لا يكافئ عمرًا يقضيه في الخدمة.
مطالب المتقاعدين
باسم تجمع الأجراء المتقاعدين في الإدارات العامة والمصالح المستقلة والمؤسسات العامة، ألقى حسين حمادي كلمة دعا فيها إلى تحقيق مطالبهم، وأبرزها الاستفادة من معاش تقاعدي يحفظ كرامتهم، أو احتساب تعويضاتهم على سعر الصرف الحالي للدولار، بالإضافة إلى شمولهم بالضمان الاجتماعي، ضمانًا لعيش كريم بعد سنوات من الخدمة.
حقيقة الإيرادات وانهيار البلد
تصدى حبيب معتوق، رئيس دائرة في مالية النبطية، في كلمته للشائعات التي تفيد بعدم وجود أموال في الخزينة اللبنانية، مؤكدًا على زيادة الإيرادات بشكل لافت. وطالب بزيادة الرواتب بنفس هذه النسبة، حتى لا يبقى الموظفون مغبونين، مشددًا على أن الموظف ليس سبب الانهيار في البلد.
لعرض البيانات المالية، يمكن ملاحظة الفروقات التالية:
| البيان | الواقع |
|---|---|
| زيادة الإيرادات | زادت 49 ضعفاً |
| نسبة زيادة الرواتب المطلوبة | بذات نسبة زيادة الإيرادات (49 ضعفاً) |
كما أوضح معتوق أن انهيار البلد لم يكن بسبب سلسلة الرتب والرواتب عام 2017، التي كانت مجرد تصحيح للرواتب، بل كان نتيجة عوامل أخرى، مثل دعم بقيمة 30 مليار دولار، ومئات ملايين الدولارات التي هُربت خارج البلاد، مؤكدًا أن الموظف ليس المتسبب في هذا الانهيار الاقتصادي.
حفظ كرامة الموظف
في ختام الاعتصام، ألقت الموظفة في مصلحة الزراعة في النبطية، زهراء كركي، كلمة مؤثرة طالبت فيها “بحفظ كرامة الموظف وبالعدالة وإعطاء الحقوق والكف عن إذلال الموظف”. وتساءلت إلى متى سيتحمل الموظف كل هذه الأعباء، مؤكدة أن “صبر الموظف تحول إلى ظلم”. واختتمت كلمتها بنداء قوي قائلة: “أعيدوا للموظف حقوقه وأعيدوا للدولة هيبتها”، لخصت به معاناة وتطلعات كل موظف شارك في هذا الاعتصام.
