«صمام أمان المجتمع» الضمان الاجتماعي ملف وطني رؤى ومقاربات للحفاظ على الحقوق

«صمام أمان المجتمع» الضمان الاجتماعي ملف وطني رؤى ومقاربات للحفاظ على الحقوق

عندما نتناول ملف الضمان الاجتماعي في الأردن، فإننا لا نتحدث عن مجرد مؤسسة مالية عادية، أو مجموعة أرقام جافة ضمن تقارير مالية، بل هو كيان يحمل أبعاداً أعمق بكثير.

إننا نتحدث عن مدخرات الناس التي جمعوها على مدى سنين طويلة من العمل الشاق، وعن أمل كل موظف اقتطع جزءاً من راتبه، متطلعاً لأن يجد في شيخوخته سنداً وأماناً يحفظ كرامته.

بالنسبة للمواطن، يعتبر الضمان الاجتماعي جوهر الثقة والأمن الاجتماعي.

اليوم، يسود الشارع حالة من القلق الحقيقي إزاء مصير أموال الضمان الاجتماعي في الأردن، وكيفية استثمارها، ومدى تدخل الحكومة في إدارتها، وهي تساؤلات مشروعة تتطلب إجابات واضحة.

على الرغم من أن هذه الأموال يتم استثمارها بالفعل، وأن جزءاً كبيراً منها يتجه نحو السندات الحكومية، إلا أن السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه بقوة هو: هل ستبقى هذه الأموال بمنأى عن الضغوط المالية المتزايدة وعجز الموازنات الحكومية المتكرر؟

تساؤلات المواطن الجوهرية

المواطن لا يرغب في الخوض بتفاصيل فنية معقدة أو حسابات متشابكة، بل يطلب إجابات واضحة ومباشرة على تساؤلات أساسية تطمئن قلبه:

  • هل أموالي آمنة ومصانة من أي مخاطر؟
  • هل راتبي التقاعدي في المستقبل مضمون ولن يطرأ عليه أي تغيير؟
  • هل القرارات المتعلقة بالصندوق تُتخذ لمصلحته الاستراتيجية، أم استجابة لظرف مالي طارئ ومؤقت؟

أزمة ثقة وغياب الطمأنينة

المشكلة ليست في مبدأ الاستثمار بحد ذاته، بل تكمن في غياب الطمأنينة وشعور المواطن بعدم اليقين، فقد أدت التعديلات المتكررة على قانون الضمان الاجتماعي خلال السنوات الماضية، سواء فيما يخص سن التقاعد أو آلية الاحتساب، إلى شعور عام بأن القواعد تتغير باستمرار، مما يخلق حالة من عدم الاستقرار والقلق المستمر.

الضمان الاجتماعي والقطاع الخاص: محرك الاقتصاد

عندما نتحدث عن الضمان الاجتماعي، فإننا أمام ملف اقتصادي واجتماعي بالغ الضخامة، يمس مئات الآلاف من العاملين وأصحاب العمل في الأردن، ويتصدرهم القطاع الخاص الذي يتحمل الجزء الأكبر من الاشتراكات والكلف المالية، هذا القطاع الحيوي هو المحرك الحقيقي لعجلة الاقتصاد، وأي قرار غير مدروس أو غير مستدام في ملف الضمان، سينعكس سلباً وبشكل مباشر على قدرته على الاستمرار، والتوسع، وتوفير فرص التشغيل.

لذلك، لا يجوز أن تدار هذا الملف الاستراتيجي بردود أفعال متسرعة، أو بقراءات عشوائية تهدف لحل مشكلة على حساب إثارة مشكلة أخرى.

فلا يصح أن نعالج عجزاً مالياً في جانب، فنخلق اختناقاً اقتصادياً في جانب آخر، ولا أن نُعدّل مادة واحدة في القانون، فنتسبب في إرباك سوق العمل بأكمله.

متطلبات إدارة حكيمة ومستدامة

تتطلب إدارة ملف الضمان الاجتماعي اختصاصاً حقيقياً، وخبرة اكتوارية مستقلة ومحايدة، ورؤية استراتيجية واضحة بعيدة المدى، وليس مجرد معالجات مؤقتة أو حلول ترقيعية، يكون المواطن في نهايتها هو الحلقة الأضعف، والوحيد الذي يدفع الثمن دائماً.

نحن ندرك تماماً وجود تحديات اقتصادية معقدة، مثل ارتفاع معدلات البطالة، وتزايد أعداد المتقاعدين، لكن الحلول لا يمكن أن تتمثل في تحميل صندوق الضمان ما لا يحتمل، أو جعْل أموال المشتركين خياراً سهلاً ومتاحاً عند كل أزمة مالية تواجه الدولة.

الشفافية والرقابة: دعائم استدامة الضمان

وهنا يبرز الدور المحوري للرقابة الفعالة، فلا يجوز أن يبقى ملف الضمان الاجتماعي محصوراً بتصريحات عامة، أو تطمينات مقتضبة تفتقر إلى الشفافية.

المطلوب هو:

  • جلسات رقابية علنية تُعرض فيها الحقائق بشفافية كاملة.
  • أرقام واضحة وموثوقة يمكن للجميع الاطلاع عليها.
  • تقارير دورية منشورة وغير منقوصة.
  • حوار وطني صريح وواسع النطاق حول مستقبل الصندوق واستدامته المالية.

مجلس النواب مطالب اليوم بأن يكون في موقع المساءلة الحقيقية والفاعلة، لا في موقع المتلقي للبيانات أو الممرر للقرارات، فغياب الرقابة البرلمانية الفاعلة يضاعف من قلق المواطنين ويقوض ثقتهم بالمؤسسات.

درس من التجربة اللبنانية

وإذا أردنا أن نستلهم الدروس من التجارب المحيطة بنا، فإن التجربة اللبنانية ليست ببعيدة، فما حدث هناك لم يبدأ بانهيار مفاجئ وصادم، بل بدأ بتراكمات، وبفلسفة استسهال الاقتراض من الداخل، والاعتماد المفرط على أموال الناس لتغطية الاختلالات المالية المتزايدة، حتى جاءت اللحظة التي وجد فيها المواطن نفسه عاجزاً تماماً عن الوصول إلى مدخراته وحقوقه.

الفارق الجوهري أن الأردن ما زال يملك فرصة ذهبية للوقاية واتخاذ الإجراءات الاستباقية، قبل الوصول إلى أي مرحلة حرجة أو لا رجعة فيها، لكن هذه الوقاية تتطلب شجاعة في اتخاذ القرار، ووضوحاً وشفافية في الإدارة، لا مجرد إنكار لحالة القلق الشعبي، أو التقليل من حجمها وتداعياتها.

لا أحد يسعى لتأزيم المشهد العام، ولا أحد يشكك من باب التشكيك أو إثارة البلبلة، بل إن حماية أموال الضمان الاجتماعي تُعد واجباً وطنياً مقدساً، لأنها تمس بشكل مباشر استقرار الأسر، وتوطد الثقة الضرورية بين المواطن ومؤسسات الدولة.

يجب أن يبقى الضمان الاجتماعي ضماناً حقيقياً وموثوقاً، لا مساحة للقلق أو الشك، ولا مجال للعبث أو المساس به.

فمدخرات الناس هي خط أحمر لا يجوز تجاوزه أبداً، وأي مساس بها يهز أركان الثقة المجتمعية قبل أن يهز الأرقام المالية.