صمود الدولار الكندي رغم تراجع النفط بدعم من ضعف العملة الأمريكية

صمود الدولار الكندي رغم تراجع النفط بدعم من ضعف العملة الأمريكية

في سبتمبر الماضي، أعددتُ عرضًا موجزًا لأبرز الصراعات الكبرى حول العالم، وآنذاك كتبتُ بشأن النزاع بين إسرائيل وإيران، الذي يُشار إليه الآن باسم “حرب الأيام الاثني عشر”، ما يلي: “هناك كل الأسباب للاعتقاد بأن الصراع بين إسرائيل وإيران لم ينتهِ بعد، وأن الولايات المتحدة قد تُستدرج إليه مجددًا”.

يبدو أن المرحلة التالية من هذه الحرب المشتعلة على وشك أن تبدأ فعليًا، بل قد تكون الهجمات قد انطلقت بالفعل بحلول الوقت الذي تتصفح فيه هذه السطور.

لغز اللامبالاة العالمية

ما يثير حيرتي هو أن بقية العالم تعاملت مع مقدمات هذه المرحلة الثانية وكأنها مجرد حدث عابر لا يستحق الاهتمام، فرغم أن الحشد العسكري الأمريكي الضخم حظي بتغطية إعلامية لا بأس بها، فإن قصصًا أخرى، مثل قرار المحكمة العليا للولايات المتحدة بإلغاء الرسوم الجمركية التي فرضتها إدارة الرئيس دونالد ترامب، والتداعيات المستمرة لما يُعرف بملفات إبستين، نالت تغطية مساوية إن لم تكن أكبر، أما الأسواق المالية، فلم تشهد سوى اضطراب محدود اقتصر على ارتفاع طفيف نسبيًا في أسعار النفط العالمية.

عوامل الهدوء الزائف: أسباب الاطمئنان الخاطئ

ويبدو أن أسباب هذا الاطمئنان الملحوظ ترجع إلى عاملين رئيسيين:

أولًا: يعتقد كثيرون أن الرئيس ترامب سيلجأ إلى ما يُعرف اختصارًا بـ”TACO”، وهو تعبير غير رسمي يعني “ترامب يتراجع دائمًا”، ويستند هذا الافتراض إلى أن الرئيس، كما فعل في ملفات عديدة سابقة، لن يمضي قدمًا في تهديداته الأولية، كما حدث مرارًا في ما يتعلق بمستويات الرسوم الجمركية التي أعلنها ثم تراجع عنها أو خفّضها بشكل كبير عندما اتضح أن الأسواق المالية العالمية تتجه إلى الهبوط الحاد، ووفقًا لهذا المنطق، فإنه من المفترض أنه:

  • سيتوقف قبل شن هجوم واسع النطاق على إيران، عبر الإعلان عن اتفاق يمنح الولايات المتحدة أقل مما كانت تطالب به،.
  • وسيعلن بعد ذلك انتصارًا دبلوماسيًا.

ثانيًا: الركيزة الثانية لهذا الاطمئنان هي اعتقاد معظم الناس أن الإيرانيين لن يمضوا قدمًا في تهديداتهم إذا اندلع نزاع جديد، أو أنهم على الأقل لن يكونوا ناجحين بدرجة كبيرة في تنفيذها، وتشمل هذه التهديدات مهاجمة القواعد الأمريكية في المنطقة، واستهداف أي دولة تساعد المجهود الحربي الأمريكي والإسرائيلي، ومهاجمة السفن البحرية الأمريكية، والأهم من ذلك إغلاق مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو 20% من صادرات النفط والغاز الطبيعي المسال عالميًا، ومثل هذا الإغلاق لن يؤثر على إيران وحدها، بل على كبار مصدّري النفط والغاز الآخرين مثل العراق والكويت والسعودية وقطر والإمارات العربية المتحدة.

لماذا التفاؤل المفرط قد يكون خاطئًا؟

استنادًا إلى المقولة القديمة بأن “لا خطة تصمد أمام أول احتكاك مع العدو”، فإليك لماذا قد تكون هذه التوقعات السائدة مفرطة في التفاؤل وغير واقعية:

أولًا، تشير جميع التصريحات الصادرة عن الحكومة الإسرائيلية إلى أن أقل من هجوم شامل وموسع على إيران لن يكون مقبولًا، نظرًا لأن الحكومة الإيرانية لن توافق على المطالب التي طرحتها إسرائيل، والتي تشمل فرض قيود صارمة على الصواريخ الباليستية الإيرانية وإنهاء دعمها لجماعات مثل حماس وحزب الله، وقد أكد الإيرانيون حتى الآن أنهم يريدون أن تقتصر المفاوضات على البرنامج النووي للبلاد، كما أشارت الولايات المتحدة أيضًا إلى أن القيود على الصواريخ ووقف دعم الميليشيات المتحالفة مع إيران يجب أن تكون جزءًا لا يتجزأ من أي مفاوضات جادة.

وكان النزاع الأخير، “حرب الأيام الاثني عشر”، قد بدأ بضربة إسرائيلية، وأعتقد أنه إذا لم تبادر الولايات المتحدة بالهجوم أولًا أو بالتزامن مع القوات الإسرائيلية، فإن إسرائيل ستبدأ الحرب ببساطة، ثم تطلب من حليفتها الولايات المتحدة تقديم الدعم اللازم، ومن المرجح للغاية أن يقدم ترامب هذا الدعم دون تردد.

تهديد وجودي وتصعيد محتمل

ثانيًا، أوضحت الحكومتان الإسرائيلية والأمريكية بشكل لا لبس فيه أن النتيجة المفضلة لديهما هي تغيير النظام في إيران، ولا أعلم ما إذا كانت الحكومة الإيرانية تصدق ذلك، لكن إن كانت تصدقه، فإن المرحلة التالية من هذا الصراع ستُعتبر تهديدًا وجوديًا للنظام برمته، وعندئذٍ لن يكون لدى الإيرانيين أي سبب لضبط ردّهم العسكري، إذ سيعتبر النظام أنه لا يملك الكثير ليخسره من خوض معركة شاملة، وليس من المستغرب أن المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية والدائرة الحاكمة لا يرغبان في رؤية داخل سجن أمريكي.

ارتفاع النفط وشلل الاقتصاد العالمي: تأثير إغلاق مضيق هرمز

إذا كانت هاتان الفرضيتان صحيحتين، فمن المرجح أن يتحول الاطمئنان السائد في الأسواق المالية وعواصم العالم إلى حالة من الذعر الشديد، ومن غير المرجح أن تتفوق إيران عسكريًا على الولايات المتحدة وإسرائيل في النزاع المرتقب، لكنها قادرة على إلحاق أضرار كبيرة وواسعة النطاق عبر ترسانتها من الصواريخ والطائرات المسيّرة، أما سلاحها الأقوى والأكثر تأثيرًا، فهو إغلاق مضيق هرمز الحيوي، إذ سترتفع أسعار النفط بشكل حاد وغير مسبوق، وكلما طال أمد إغلاق المضيق، ازداد شلل الاقتصاد العالمي بأكمله بسبب النقص الحاد في الوقود وارتفاع أسعاره بشكل جنوني.

ولا تحتاج إيران فعليًا إلى السيطرة الكاملة على المضيق لمنع مرور ناقلات النفط؛ يكفي أن تجعله غير آمن لعبورها، وهي تمتلك الطائرات المسيّرة والصواريخ والزوارق الدورية اللازمة لتحقيق هذا الهدف، وسيؤدي ذلك إلى امتناع شركات التأمين عن توفير التغطية الضرورية، ما سيوقف حركة الناقلات بشكل كامل، فلا توجد شركة شحن ستخاطر بنقل شحنة بهذا الحجم والقيمة دون تأمين:

الوصفالقيمة/الكمية
حمولة ناقلة نفط خام كبيرة تقليديةمليوني برميل من النفط
قيمة الحمولة بالأسعار الحاليةأكثر من 132 مليون دولار

تحديات مرافقة الناقلات البحرية

وبالطبع، يمكن للبحرية الأمريكية مرافقة الناقلات عبر المضيق، لكن عندها ستصبح هذه السفن الحربية والناقلات أهدافًا لهجمات إيرانية “سربّية” مكثفة بالصواريخ والطائرات المسيّرة، فالسفن الحربية تحتاج إلى اعتراض جميع الهجمات الواردة لتفادي الأضرار الجسيمة، بينما يكفي المهاجم أن يخترق صاروخ أو طائرة مسيّرة واحدة الدفاعات لإحداث ضرر كبير ومكلف.

قد تتمكن الولايات المتحدة من تحييد مثل هذه التهديدات، لكن من الصعب تخيّل أن يرغب قبطان ناقلة وطاقمها في اختبار فعالية هذا التحصين المعقد في كل مرة يعبرون فيها المضيق، كما أنه من غير المرجح أن توافق شركة تأمين على إصدار وثيقة تغطية لناقلة تعبر مضيق هرمز في ظل هذه الظروف المحفوفة بالمخاطر الهائلة.

الاستعداد لسيناريو غير متفائل

آمل حقًا أن يتم تجنب هذا الصراع المحتمل، وأن يتم التوصل إلى ترتيب يسمح لجميع الأطراف بالانسحاب بشكل دائم وآمن، لكن الأمل وحده ليس خطة عمل واقعية، وبالنظر إلى الخلفية الترفيهية لدونالد ترامب ونزعته الدرامية المعروفة، فلا ينبغي أن نتفاجأ إذا تطورت الأحداث كما في فيلم من أفلام هوليوود، حيث يسود قانون غير مكتوب مفاده أنه إذا ظهر سلاح في المشهد، فلا بد أن يُطلق قبل نهاية الفيلم، لذلك، أعتقد أن على العالم أجمع أن يستعد لنتيجة أقل تفاؤلًا بكثير مما يتوقعه.