صناعة البتروكيميائيات في السعودية تواجه تحديات جديدة وتستشرف خيارات مستقبلية

صناعة البتروكيميائيات في السعودية تواجه تحديات جديدة وتستشرف خيارات مستقبلية

هذه المقالة تهدف إلى تقديم تحليل مبسط وموضوعي لواقع صناعة البتروكيميائيات في السعودية، والتحديات الهيكلية التي تواجهها، مع اقتراح وجهة نظر شخصية حول خيارات مستقبلية لضمان استمرار تأثير المملكة في هذه الصناعة العالمية، وأعتذر للقارئ عن الإطالة، إذ إن المقال موجه للمهتمين والمستثمرين في هذا المجال خصوصًا.

مقدمة: دورة صعود وهبوط غير مسبوقة

في مقابلة مع موقع “أرقام” خلال مؤتمر جبيبكا 2021، أشرت إلى أن منتجات البتروكيميائيات ستواجه ضغوطًا سعرية قريبًا بسبب زيادة متوقعة في المعروض العالمي، ورغم عدم الترحيب بهذا الحديث في ظل التفاؤل الناجم عن التعافي بعد الجائحة، إلا أن العرض في النهاية فاق الطلب، مما أدى إلى تراجع الأسعار بشكل ملحوظ، ووصلت إلى قيعان تاريخية، مما خلق حالة من الإحباط وعدم اليقين بين الشركات والمستثمرين.

إزاء التحليلات المتداولة، كان هناك نوع من الالتباس أحيانًا، لذا قررت تقديم قراءة مبسطة لسوق البتروكيميائيات خلال الثلاثين عامًا الماضية والتغيرات الجذرية الحالية في هيكل هذه السوق الحيوية، مع تسليط الضوء على بعض الأخطاء التي وقع فيها اللاعبون الرئيسيون، والتي صعبت على الشركات إدارة هذه المرحلة المعقدة، وسأطرح رؤية للتعامل مع مستقبل يختلف كثيرًا عن الدورات السعرية السابقة.

نشأة وتطور الصناعة السعودية: ميزة اللقيم والموقع الجغرافي والبنية التحتية الممتازة

دخلت السعودية مجال البتروكيميائيات عبر شركة سابك في أواخر السبعينيات، وكانت الرؤية قائمة على الاستفادة من القيمة الكيميائية لموارد الغاز المتبعة في إنتاج النفط، والذي كان حارقًا مسبقًا، ومع أسعار تنافسية ثابتة وبدعم حكومي واسع، تمكّنت المملكة من إنشاء مجمعات ضخمة تستند إلى ميزات سعرية واقتصاديات الحجم والشراكات التقنية مع شركاء عالميين، حيث حققت الشركات السعودية أرباحًا استثنائية خلال فترات متعددة من تلك الحقبة.

ومع ذلك، قد تبنت بعض الشركات نماذج اقتصادية غير مجدية، الأمر الذي أثر سلبًا على قدرتها في مواجهة الدورات الاقتصادية المتقلبة بكفاءة، ما أدى إلى تضخم تكاليف المشاريع الرأسمالية.

ديناميكيات السوق العالمي: توسع مفرط وصدمات هيكلية

شهد الاقتصاد العالمي تضاعفًا يصل إلى 250% خلال الثلاثين عامًا الماضية، بينما زادت إمدادات النفط بنسبة تقارب 60%، وازدادت طاقة الإنتاج البتروكيميائي لأكثر من 350%، مما نتج عنه اختلالات بين العرض والطلب، حيث تفوق العرض على الطلب بنسبة 20% لبعض المنتجات حاليا.

خريطة العرض والطلب العالمي (2024): اختلالات واضحة

يبلغ إجمالي العرض حوالي 700 مليون طن من منتجات البوليمرات والسوائل سنويًا، وحصة أكبر الدول هي:

  • • الصين: 40%.
  • • الولايات المتحدة: 15%.
  • • الخليج: 15%.
  • • أوروبا: 13%.
  • • بقية آسيا: 17%.

أما جانب الطلب فتقل نسبته عن العرض بحوالي 7%، مع حصة أكبر الدول كالتالي:

  • • الصين: 35 – 40%.
  • • أمريكا: 20%.
  • • أوروبا: 20%.
  • • بقية العالم: 20%، حصة دول الخليج: 3% منها.

سيناريو السوق طويل الأجل (ما بعد 2030)

من المتوقع أن يستقر إنتاج النفط الصخري ويبدأ بالتناقص، مما سيؤدي إلى توازن بين العرض والطلب للكثير من المنتجات البتروكيميائية، مع ارتفاع أسعار اللقيم وتحسن هوامش الربح لمستخدمي الغاز وسوائله، مما يعود بالنفع على المنتجين الخليجين والأمريكيين.

سيناريو قصير الأجل والتحدي الأكبر: المنتج الصيني ومنافسة وجودية

تتبنى الصين استراتيجية هيمنة شاملة، مع دعم حكومي كبير وتكاليف رأسمالية منخفضة، لذا يجب على الشركات السعودية التركيز على نقاط ضعف المنافس وتقوية ميزاتها التنافسية المستدامة.

خيارات السعودية في ضوء استراتيجيات الصين — السيناريو الأول: الصين تتبني سياسة الهيمنة

في حال استمرت الصين في مشروعها الحالي، ستبقى الأسعار العالمية عند حدودها الدنيا، الأمر الذي سيفضي إلى تأثير سلبي على الشركات الخليجية والأمريكية، مما يستلزم على السعودية اتخاذ توجهات مستقلة.

السيناريو الثاني: تخلي الصين عن سياسة الهيمنة

إذا اتجهت الصين للتنسيق وتقليل الاستثمارات الجديدة، ستتحسن الأسعار تدريجيًا، وعليها يجب على الشركات السعودية أن تركز على جودة المنتجات وبناء علاقات قوية مع الشركاء.

فرصة تحويل ضريبة الكربون الأوربية الى ميزة سعودية

يمكن للسعودية تعزيز تنافسيتها من خلال التركيز على منتجات منخفضة الانبعاثات مما يسهم في تحقيق شراكات طويلة المدى مع الأسواق الأوروبية.

الخلاصة: هي معركة ذكاء طويلة الأجل، لا معركة حجم

تدخل صناعة البتروكيميائيات في مرحلة جديدة تختلف عن العقود السابقة، حيث ستركز المنافسة على مجموعة من العوامل الجوهرية مثل تكلفة التشغيل، ومرونة التعامل مع الأسواق، وجودة الخدمات، مما يعزز قدرة الشركات السعودية على التكيف وقيادة التحول المقبل.

ملاحظة: تستثني هذه المقالة قطاع الأسمدة بكامله نظراً لاختلافاته الديناميكية عن قطاع البتروكيميائيات.

خاص_الفابيتا